السابعة ُ والنصف ُ صباحاً

ألهث ُ بخطوات ٍ متسارعة ٍ في الشارع الرئيسي لمدينتي

تتربص عيني الضعفيتان بأطراف الشارع بحثا ً عن الباص ِ المنقذ

تأتي كتلة ُ المعدن المُتحركة ِ أخيراً لأتنهد وأدفع َ بقدماي الساخنتان من الإحتكاك بالأرض

أجلس في المقعد الخلفي منتظرة ً من يملأ المقعد جواري ..

تُطل أمرأة متجهمة بملابس مرتبة ً وزينة ٍ تدل على الوقار , لا أجيد البتة التكهن بالأعمار ولكنها حتماً في ذلك السن الذي لا تُسمى فيه بعجوز ٍ حتى وإن كان لك أحفاد

تبدو منزعجة , تجلس بجواري ولا تنطق أياً منّا ببنت شَفة

ننزل كلتانا في المحطة الأولى , إذ عليَّ الصعود على باص ٍ آخر للوصول إلى الجامعة

ويبدو أنها ستسلك ذات المسار

تسبقني للباص , تجلس في إحدى المقاعد المُخصصة لشخصين , تنتبهه  أنني سأرافقها في ذات الباص أيضاً لذا تومئ لي بالجلوس جانبها _ يحدث ُ هذا دائما ً عندما تركب ُ مع ذات الشخص لمحطتين متتاليتين , فجأة تشعرون أنكم بِتم مقربين وبينكم ماض ٍ مُشترك في ذلك الباص ولديكم ألفة ٌ غريبة لبعض _ أجلس ُ جانبها بأرتياح ٍ شديد.

: " بشري أم أسنان ؟"

تسألني بشكل ٍ مُفاجئ مع ملامح وجهة مُبتسمة ٍ غير َ الوجهة الذي كانت ترتدية قبلاً , أُ جيبها عن تخصصي لأتفاجأ بها تُطلق تنهيدة ثم تبدأ معي بشريط ذكرياتها ..

أخبرتني أنها كانت تعمل (##)* لم أفهم ما تعنية تماماً ولكن يبدو منصبا ً إداريا ً أو متعلقاً بقسم التسجيل أو ما شابه

أخبرتني تفاصيل َ كثيرة ً عن عملها وتدرجها الوظيفي , عن تاريخ مباني الجامعات الثلاث , عن الأطباء الكبار الذين كانوا أصدقاءها , عن أطباءنا الذين كانوا صغاراً والكثير من التفاصيل والقصص اللطيفة , كُنت مُستمتعة ً لتلك المُصادفة , لم أشعر متى أجتزنا طريق البحر حتى , وكنت أسترسل ُ معها متناسية ً أنني باص عام...

لكن ّ هناك بعض َ البوادر في حديثها بدأت تٌعكر صفو الحديث الممُتع ,, قالت بأسلوب ٍ مازح :" الآن أعمل في مركز الطبيب (...) هه أخبرته لقد كنت طالبي وهأنت الآن مدير ٌ علي " وعادت تكمل القصص..

كنت وقتها أدعو أن لا يُختم الحديث بالجملة التي أكرهها , أصبحت ُ رويداً رويداً أنفصل ُ عن الإصغاء لكافة التفاصيل وتترقب ُ أذاني جملة ً واحدة , عيناي مثبتة ٌ عليها ببرود وأسمع دقات ساعة ً مؤقتة ٍ داخلي , تواصل الحديث مسرعةً ,تتغير نبراتها , نقترب ُ من محطة ٍ نزولها لذا تحاول إلقاء ما تستطيع ُ من التفاصيل بسرعة

دقائق على نزولها , عيناي ثابتتان , أذناي مرهفتان , ساعة ُ المؤقت مستمرة , ولساني يدعو أن لا تقول تلك الجملة ....

: "لكن أتعلمين لا يوجد في هذه البلاد ذرة تقدير لما قُمت به طوال تلك السنين , تكبر وتُهمل "

رمت الجملة بعينين جاحظتين ونزلت , تاركة أيّاي أتأمل ُ بجفول ٍ مكانها الذي بات َ خالياً....

لطالما تكرر المشهد ذاته بإختلاف الأشخاص مراراً وتكراراً , جميع ُ من هم في هذا السن يصلون لتلك النقطة في نهاية حديثهم وإن طال..

أتساءل...

أحقا ً لا ذرة تقدير ٍ لأيٍ ما كان في هذا البلد , أحقا ً تضيع ُ سنين النضال هباءً , أم أن الحياة تمشي بهذه الطريقة ؟ نفني شبابنا في ما نظنّ أنه بناء ٌ للمجد ثم نكتشف أن لا شيء في آخر النفق !

لِم َ أشعر بكل هذا السوء ؟! لِم َ أشعر أن على عاتقي عمل تكريم ٍ ضخم أستدعي فيه كل من لم يُقدر وأمنحه ُ الرِضى ؟!

أصل الجامعة َ , ألقي نظرة ً على تلك الوجوه الغضّة , هل سنقف ُ يوما ً في ذات ِ المشهد ِ ونرتدي ذات الكلمات  بعد ثلاثين عام !