طبقة ٌ من الرصيف ِ المُسفلت بجانبها طبقة ٌ كثيفة ٌ من الرمل الذي يغدو ذهبيا ً باهتاً في ساعات الصباح المبكرة ِ ثم أخيراً تدرج ٌ من الأزرق المموج ِ المُبهر , تقفز ُ رزان بخطوات ٍ راقصة على الرصيف ِ وهي تنظر ُ بولع ٍ للبحر

بينما تسبق ُ كمال بخطوات ٍ والذي لا زال في بداية الرصيف وهو يصرخ

_" هاي أيّها الأرنب المسعور تمهل قليلا ً ...هششش لهذا لا أحب ُ المشي معك في هذا الطريق ِ أشعر ُ أنني في رحلة ِ صيد "

تنعطف ُ رزان عائدة ً نحوه بينما هي تقفز ُ محاولة ً تقليد قفزات الأرنب وواضعة ً يديها في أعلى رأسها على شكل أذنين ضخمتين , تستمر ُ بالقفز حتى تصل َ لأمام كمال مباشرة ً , تميل ُ برأسها وتقول

>" وما هما السببان الآخران ؟"

ينظر ُ كمال للبحر ثم يمشي وتمشي رزان بجانبه

_" بما أنك ِ تُحبين التشبيهات ,, نخاف ُ الحب لأننا نخاف تسليط َ الضوء ِ علينا!

يلقي كمال نظرة ً خاطفة ً على رزان التي يبدو أن هناك آلاف التفسيرات لمعنى الجملة ِ قد بدأت تتراقص ُ في ذهنها ..

_" أن يُحبك َ أحدهم , يعني أن يتم َ تسليط ُ كشاف ٍ عملاق ٍ عليك وعلى جميع أركان حياتك,, قد يبدو الأمر ُ للوهلة الأولى جميلاً , أن تَجد َ أحدهم يبحث ُ بشغف ٍ عن إهتماماتك , ذوقك وكلماتك وردات فعلك , سيكون ُ أحدهم مهووساً بك كهوس الأشخاص بالمشاهير ,, ولكن لن يكون الضوء محصوراً على جانبك اللامع , سيشمل ُ الضوء جوانبك التي تحاول َ إخفاءها عن العالم ! سيكشف ُ الضوء الساطع ُ عن عتمتك , هشاشتك , سوف تُرى في أشد حالاتك ضُعفاً , في الأيام التي تكون ُ فيها بشعا ً وبغيضا ً , لن تستطيع الهرب سيتم تجريدك كلياً وسيدخل شخص ٌ ما لعالمك المُغلق , كما أن الضوء سيلتهم مُحيطك , سوف تُرى كل تلك الأزقة , عائلتك , أقاربك , أصدقاؤك وجميع ُ الأشخاص الذين تعرفهم سيوضعون تحت الفحص والتقييم , ماضيك وحاضرك ,, ومكان نشأتك وإنتماءك ,,بإختصار ٍ سيقتحم ُ أحدهم منطقتك الآمنة !"

>"مُرعب "

تخرج ُ الكلمة ُ من فم رزان لا إراديا ً وقد جَفَلت ْ وهي تستمع ُ لكلمات كمال..

ثم تظيف 

>"كما قد يخالجنا شعور أننا لا نستحق ُ ذلك الجهد المبذول , ستشعر ُ أيضا ً أننا مسؤولون عن ألم من يحمل ُ الضوء وأن علينا إستحقاق ذلك ببذل المزيد من الجهد , أو ببساطة ٍ سنقوم بتجاهلك الشخص والتواري ليس إستثقالاً له , بل إستثقالاً للأهتمام !"

يواصلان المشي وهذه المرة يشعران وكأن غيمة ً سوداء ترافقهما,, تقطع ُ رزان الصمت بسؤالها لكمال عن ما إذا كان قد توصل َ لحلٍ لهذه المشكلة ويهزُّ رأسه أن لا ,, ثم يعودان للمشي صامتين..

يتنهد ُ كمال وكأنه على وشك خوض حرب ٍ مؤلمة

_" أما السبب الآخر "

ينظر ُ لرزان نظرة ً مطوّلة ً ثم يُظيف

_" هو خوفنا أن نخسر الأشخاص اللذين نُحبهم"

ثم يصمت ..

>" أيّها المعتوة سأقتلك أن وصلنا قبل أن تنهي حديثك ,,تكلم بسرعة ً دون الفراغات المُرعبة "

يتحدث ُ كمال وهو ينظر ُ للأمام وتبدو نبرة ُ صوته جادة

_" أعني مثلاً نحن جيران ٌ منذ حوالي ثلاثة أعوام ,, بالنسبة لك أنا إبن جاركم الذي يصادف ُ أنه يرتاد ُ ذات المدرسة الثانوية التي ترتادينها لذا نتشارك ُ ذات الطريق كل صباح ,, يحظى كلانا برفقة ٍ مريحة ونبدأ أحاديث شتى في كل صباح ,, لديك درجة ٌ كبيرة ٌ من الألفة ِ تجاهي وتظهرين َ أمامي بكامل طبيعتك , عفويتك في الحديث , ملابسك المريحة وقصة شعرك , قصصك ومواقفك المسلية وكذا أحاديث شخصية وتوجسات ٍ كحديثنا اليوم , أنت ِ حتى لا تخجلين من القيام بركلي وتتفوهين بالكثير من التهديدات "

يتوقف ُ كمال ويوجهه جسده بإتجاه رزان لتتوقف َ هي الأخرى بإستغراب

_" ولكن ماذا إن أخبرتك الآن أنني أُحبك ؟"

يسكنان لوهلة ٍ بينما تواصل ُ الرياح ُ حركتها والعبث ٌ بشعريهما ,, تقطع ُ رزان الصمت لتقول بطريقة درامية واضعة ً يدها على رأسها مرددة ً بينما تتمايل

>" رررروميو ,,, ررروميو لماذا لم تخبررررني ي ررروميو "

يشد ُ كمال شعرها من الخلف ليوقف تمايلها ويرد بطريقة ٍ درامية

_" لأن تمثيلك بشع ٌ يا جولييت "

يعود ُ كمال لحديثه ٍ الجاد بينما ترتب ُ رزان شعرها الذي أفسده

_" حينها قد ترفضينني وتتسببين لي بجرح ٍ لا أدري إن كان سيلتئم ُ يوماً أو لا وسأخسر ُ رفقتك المُسلية كل صباح ,, وإن بادلتني ذات المشاعر ,فقد أخسر رفقتك المُسلية أيضاً !"

ترد ُ رزان

> " عَم ّ تتحدث ! ,, علينا أن ندرك جيداً أن حُب الناس أو رفضهم لنا لا يتعلق ُ بنا البِتة ,تلك حريتهم المُطلقة التي لا يجب علينا أخذها بشكل ٍ شخصي "

_" الكلام سهل ,تحربة ُ الرفض هي أقسى تجربة ٍ يمر ُ بها الإنسان "

>" ثم ّ أن قبول َ الأشخاص بنا لا يعني تحوّل علاقتنا بهم لدراما مأساوية , بإمكان البعض تجاوز تلك الدائرة التي تتكررُ في جميع قصص الحب "

_" أتعلمين ما سيحدث ُ يا رزان ؟ سيرى كل ٌ منا نفسه وصياً على الآخر , سأنتقد ُ بشدة ٍ وستغارين بطريقة ٍ مزعجة , سنتغير في البداية , سيحاول ُ كل ٌ منا إرضاء الآخر ,, ستتكلمين بدلال ٍ معي , ربما ستجعلين شعرك أطول وترتدين ملابس تبدين بها أنضج , وأنا سأفعل ُ الشيء ذاته ,,ثم ببساطة ٍ سنلوم الآخر على تغيرنا ,سنشعر ُ بالإختناق والملل , وبالتأكيد سنمر ُ بكل تلك المشاكل الغبية "

تعقد ُ رزان حاجبيها وتقول بشفاه مشدودة

>" أنا لست ُ بلهاء لأقع في أخطاء غيري بكل سذاجة "

بصوت ٍ مرتفع ونبرة المفروغ منه يرد كمال

_" بل ستقعين , ستكونين بلهاء وأكون أبله , الجميع ُ يقع في ذات الأخطاء عندما يُحب"

تظيف ُ رزان سريعاً وكأنها أكتشفت شيئاً خطيراً

>" أوه يالحظك ! أنت أبله في الوضع العادي لن يلاحظ أحدٌ الفرق! "

يحاول ُ كمال الحفاظ على هيئته ِ الجادة ولكنه يفشل ُ وينفجر ُ ضاحكاً وتضحك ُ رزان معه ..

بعد بضع ِ دقائق يقتربان من الشاطئ ويتأملانه ِ بهدوء ِ

يقول ُ كمال

_" لكن أتعلمين ,,, أظن ُ ما قلته هو عين الصواب ,,لايوجد حل ,علينا أن ندرك ذلك ,لا خبرات ولا ضمانات , علينا فقط التقدم "

يميل ُ ناحية َ رزان , يضع ُ يده على خدها , تحدق ُ رزان مذهولة ً من سلوكه ِ المفاجئ , يهمس ُ بنبرة ِ حنونة

_" في كل ِ مرة ٍ تجتاحني المخاوف , أشعر ُ أنها ثمن ٌ عادل لوجودك جانبي , أشعر ُ أنها مخاطرةٌ مرعبة , ولكن فقدانك ِ سيكون كارثة ً علي ّ "

تتجمدُ رزان مكانها ,تشعر ُ أن هناك صحراء في حلقها , لم ترد َ ببنت شفة ولم تستطع زحزحة َ يد كمال ..ثم يقطع ُ الصمت صوت جرس المدرسة..

تستفيق ُ رزان وتصرخ ُ بعتاب 

>" أنظر ! ستعاقبني تلك الأستاذة لطالما كرهتني وستجد ُ عذراً الآن " 

تركض ُ مسرعة ً بينما تصرخ ُ لكمال أن يلحقها بسرعة ٍ حتى لا يُعاقب َ هو الآخر..

يقف ُ كمال ويده لا تزال ُ معلقة ً بالهواء ,ينزلها ببطء ويراقب َ البحر بأعين ٍ باردةٍ , ينظر ُ للسماء بزفرة ٍ مطولة ٍ ويتنحنح ُ نحو طريق المدرسة ببطء


على الجانب الآخر من السور ,,تقف ُ رزان متشبثة ً بالجدار وهي تترنح ..تهمس ُ لنفسها بأنفاسٍ لاهثة..

>" فقدانُكَ أيضاً سيكون ُ كارثة ً علي "

ثم تنساب ُ من خدها دمعة ٌ هاربة ..

>" ولكنني لا أزالُ خائفة !"