قَضيْتُ عُمرًا في العَبَث..

كانتِ الأيام تجري ولا أعلم مآلها، كانت تدور وكنت – أظن – أنها تسير على ما يرام، لم تكن على ما يرام في اللحظة والتو.. وإنما - ككل البشر- آمنت أنها ستقدِّر كل الليالي التي أنهكتني وتصبح على ما يرام عندما أترك هذه اللحظة.

ما تفعله الآن، ما تتحمله الآن، لا تلقَ نتيجته غدًا.

ما لا تفعله الآن، ما لا تريده الآن، يأتيك غدًا.. على طبقٍ من فضة.

قَضيْتُ عُمرًا أحاول أن أصل إلى كتف أحدهم، حتى أبكي، وقيل " لماذا تفعلين هذا؟ "

كانتِ الأيام تجري، وتسحقني، وكنت – أظن - أنني لا أفنى. وأنَّ كل ما يسيل من دماء ارتوتها الأرض سيصبح وردة.. تذّكر الأرض بقتلي. دائمًا..

قَضيْت عُمرًا أقاتل حتى أنال الرضا من شخصية عزيزة، كدت أتجرد من بشريتي في محاولة الإرضاء، وكان زائدًا لدرجة السخط! " إن هذا وذاك ما يؤذيني، كان بمقدورك ألا تفعلي كل هذا "

قديمًا كنت أبكي.. حديثًا ما زلت أبكي، ولم تنضب جراحي إلى الآن، يحب البشر حفر الخنادق في جراحنا القديمة، خنادق تمكنهم من رؤية الدماء السائلة، تمكنهم من استنشاق رائحة الخوف فيه، حتى يخرجوا وقد أرعبوا كل أوصالك. فتزداد جراحك بما يكفي ليعبروا خلالك بكل راحة لهم

وعناء لك.

قضيت الليالي أقاسم همي ورقًا كان مصيره التمزيق، ولم أعلم السبب.

قضيْتُ ثمانِ سنوات بين أناس _ وكنت أظن _ أنهم لا يتركون، الآن جمعيهم عصبة ووحدي خارجها.. وحدي. " لماذا لستُ في تلك الصورة؟ "

مهما بذلت، مهما ظننت أنك تبذل، يوجد من يخبرك بأنك لم تفعل شيء سوى خذلانه، رغم أنك المخذول!

لم تكن الأشياء ترعبني إلى هذا الحد، كنت أتماسك، كنت أقول أنه بإمكاني رؤية الجمال في القبح.. رؤية المستقبل الباهر، المستقبل المقدِّر، المستقبل بلا الأوجاع! وكنت..

ثمانية عشر عامًا كافية لمغادرة الدنيا بصدر رحب، ثمانية عشر عامًا من القبح والحدية والأذى.. ثمانية عشر كافية لتدمير أكثر من ثلاثين شخص.

أو من جهة أخرى.. ثمانية عشر كافية لتدمير شخص من قِبَل أكثر من ثلاثين شخص.

تختلف الرؤى، دائمًا، تختلف فيما ينافي راحتك.. أنت في نهاية الصورة لست سوى – مذنب بلا ذنب – يطلب الغفران.

ما يريدك اليوم لا يريدك غدًا، ما تريده اليوم وغدًا، لن تلقاه أبدًا..

أدرك الآن فقط أنني عشت أكثر مما ينبغي، وكم يبدو هذا سخيفًا لمن لا يعلمون، لمحبي التنظير.. لمن يعرفون ما لا نعرفه ولم يتضح في أفعالهم إلى الآن!

لكن لا يهم، حتى ولو لم يكن كلامي سخيفًا لجعلتموه كذلك. لم أعد أنتظر المقابل الحقيقيّ، لم أعد أنتظر شيء سوى الانسحاب.. دون الشعور بالوحدة.

لقد تعلمت، كثيرًا... تعلمت أنني لن أقاتل مجددًا

وتقبَّلتُ كثيرًا،

أنني وحدي

وحدي دائمًا،

وأن أُنْسَى،

كأنني لم أكن.