في قاع بئرعميق تقبع فتاة قد تمكن منها الحزن تحت قدميها طين ووحل ،والسطح بعيد مغلق كالسجن تتناثر منه أشعة الشمس. 

هي تعلم أن خارج البئر شمس وخَضَار وحياة والبئر قبيح مظلم مخيف ،ولكنها لم ترَ غير هذا البئر ،لقد أِلفت البئر بكل مساوئه بكل ظلامه ووحله وقذاراته. 

ظلت هكذا على نفس الحال ترى شعاع الشمس بالنهار وبالليل إن كانت محظوظة ينير لها القمر أول البئر وإلا فإنها تظل قابعةً في ظلام دامس. 

حتى أتى اليوم المنشود فقد تفجر قاع البئر من تحت قدميها بماء شديد دفعها خارج البئر ومن قوة دفع المياه انخلع باب السجن أقصد البئر. 

ولما لفظها البئر خارجه أغلق بابه من تلقاء نفسه. تضاربت المشاعر في صدر الفتاة لم تعلم أهي فَرِحة أم خائفة أم في حالة ذهول ،فهي لا تعرف ماذا ستفعل كيف ستعيش خارج البئر الذي ألِفته ،فهو بكل مرارته إلا أنها اعتادت عليه. نظرت إلى يديها و فستانها الذي كان أبيض اللون لكنه اتسخ من الوحل وتغير لونه ،ويديها وقدميها "ما كل هذا الطين!". فهي وإن خرجت من البئر إلا أن الطين ظل عليها ،تسمرت مكانها تنظر داخل  البئر إلى أن كادت تقع داخله فأتت رياح فدفعتها بعيدا عن البئر. مشت مطأطئة الرأس أحيانا تلتفت لترى البئر وأحيانا أخرى تلوم نفسها لِمَ حرمت نفسي الشمس والخضار والنسيم العليل ،لِمَ تركت نفسي تتسخ بهذا الشكل أنا سيئة أنا لا أستحق السعادة وبين هذا وذاك تقعد على الارض تبكي من شدة الوجع . ثم تجد الطقس وقد غلب عليه البرودة ولا بد لها من التحرك فتنهص سريعا تتحرك علها تحظى ببعض الدفء ،ثم تعود للنظر وراءها وتتمنى لو أنها ظلت داخل البئر "ليتني ما خرجت" فيظهر صوت داخلها يخبرها "علّه خير لا تخافي ولا تحزني ربما هناك حكمة ولكنها غابت عنكِ فقط تحركي للأمام" . 

ظلت على هذه الحال هي ليست في البئر بجسدها لكن روحها لازالت داخله. حتى يجيء يوم تغيب الشمس وتتلبد السماء بالغيوم ويعلو صوت الرعد خافت الفتاة بل أصابها الرعب من هول ما في داخلها وخارجها وظلت تقول:" ليتني داخل البئر ليتني داخل البئر أحتمي به فلا عواصف ولا مطر" فتحدثها نفسها "بئر! أي بئر هذا الذي تحتمي به ألم يغمرك الماء سابقا حين تساقط المطر بغزارة في السابق ،لن تتغيري ستظلي هكذا بوحلك وطينك لن تتطهري أبدا" وفي خضم كل هذا بدأت السماء في إرسال الغيث قليلا قليلا ثم اشتد المطر وكلما تساقط المطر كلما مسح الطينة والوحل من جسدها و فستانها وشعرها وعندما توقف المطر الذي غسل جسدها.... الذي غسل روحها قبل أن يغسل جسدها رأت بعينيها نظافة يديها وقدميها وفستانهاالذي عاد يضوي من شدة البياض ولكن للأسف هناك قطعة بفستانها تحتاج إلى الإصلاح ،نظرت إلى تلك القطعة وقالت لا يهم سأصلحها في طريقي. 

وفي طريقها وجدت نهرا عذبا جلست لتشرب منه فنظرت إلى انعكاسها في الماء فوجدت وجهها يلمع بعدما انطفى وكانت قد تعودت ألا تنطر إليه فهي تخشى النظر إلى صورتها ،ابتسمت وجلست على ضفاف النهر وأشرقت الشمس مرة أخرى وابتلعت الأرض ماءها ونظرت إلى البئر خلفها وجدته اختفى لم يتبق منه إلا نقطة على منتهى البصر. عادت لنفسها وقالت :"لقد عانيتي يا نفسي كثيرا إني أحبك ولست بغاضبةٍ عليكِ على العكس بل إني أشفق عليكِ لشدة وهول ما لاقيت" . رأت صورتها القديمة داخل البئر صورتها الحزينة الضعيفة ربتت على كتفيها واحتضنتها وأخذت شهيقا ملأت به صدرها وقامت وقفت ومضت ولكن هذه المرة بخطوات ثابتة واثقة تعرف كيف ستمضي وأي اتجاه تسلك بل لو قابلتها دابة في طريقها ستستخدمها لتصل إلى وجهتها أسرع لتعلم غيرها عن معنى الأمل والصبر والحرية. 

وحتى عندما يتراءى لها البئر لا تراه بنفس الطريقة ولا تتمنى العودة ولا تجلد ذاتها بل تتذكره كذكرى قديمة باهتة غير مؤثرة. 

خواطر امرأة عربية