بينما نسير في دروب الحياة، نقابل مختلف أنواع البشر. وإنه حقا لمن أعجب الأمور، تنوع لا يقتصر على الشكل الخارجي فقط بل يمتد إلي أقصى أعماق النفوس البشرية.

لعل أكثر ما لفت انتباهي من بين كل أنواع البشر هو ذاك النوع الذي لم أجد وصفا يليق به -مع قلة علمي- أفضل من الكتاب المفتوح. فهناك بعض الأشخاص الذين ما إن تقابلهم سرعان ما تتمكن من قراءتهم بمنتهى السهولة، تماما كأنهم كتاب مفتوح، تقلب في صفحاته كيفما شئت. فلا غموض يشوب شخصياتهم ولا أحداث مخفية عنك تثير فضولك. والغريب في الأمر حقا أن الإنسان منا دائما ما يحاول أن يحسن من صورته أمام الجميع، ماحيا قدر استطاعته ما يعكر صفو هذه الصورة الحسنة، حتى أنه قد يصل بنا الهوس أن نغادر أرضنا فارين من أحداث الماضي المشينة -في نظرنا على الأقل- حتى نسترد تلك الصورة.

لكن الأمر ليس كذلك مع النوع الذي أتحدث عنه، فهذا النوع ببساطة لا يهمه هذه الصورة ناصعة البياض، بل على العكس يبادر بطرح أحداث حياته غير آبه بما فيها من نقاط سوداء. بالطبع يعرفون أنهم أخطئوا كسائر بني البشر، ويشعرون بالندم أيضا ولكن لديهم قدرا من الصدق العجيب، فلا يخفون شيئا، بل يعترفون حتى دون أن يطلب منهم أحد ذلك. لا أتخيل أن مثل هذا النوع يمكنه الكذب، يبدو لي هذا مستحيلا.

ليس هذا فقط، فهذا النوع من الأشخاص يمكننا قراءة شخصيته وخبايا نفسه بمنتهى السهولة وبسرعة أيضا. ولا يرجع هذا لكوننا خبراء بالفراسة وعلوم النفس، بل لأنهم كتاب مفتوح على مصراعيه كاشف لنا كل شيء، سطحيا كان أم شديد العمق. فمن حديث واحد تخرج بتحليل دقيق لشخصياتهم، ربما احتجت أضعافه مع أنواع أخرى من البشر حتى تصل إلى نفس النتيجة. سبحان الله ! أناس يتمتعون بشفافية شديدة، تماما كالبلور. ولا يمكننا أن نغفل عن براءة هؤلاء التي لا تختلف كثيرا عن براءة الأطفال. براءة لم تعكرها نوائب الدهر، بل يزداد قدرها مع مرور الزمن. 

أيها الكتاب المفتوح، تحية لك، فأنت حقا فريد من نوعك.