بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

يذكرُ كثيرٌ من المؤرخينَ والكُتّاب العواملَ والعناصرَ التي تعملُ على تقويةِ أمّة منَ الأُمم، وتكوينِ القوميَّة، وزرعِ روحِ الانتماءِ في أبناءِ الأمةِ الواحدة، ويعدّ كثيرٌ منهم اللغةَ عاملاً أساسياً؛ بل وهيَ أهم العوامل؛ إذ إنَّها كما قيلَ: "بمثابة محور القومية، وعمودها الفَقري".

وممَّا لا يَخفى على أي باحثٍ مشتغل في تحقيقِ ودراسةِ التراثِ العربي؛ دور القرآن الكريم كعُنصر أساسي في الحفاظ على القوميّة العربيّة؛ بحفظِ اللغة العربيّة، وبثِ روح الحيوية فيها، بعيداً عمّا قد تتعرض له من اللحنِ أو العجمة، "لذا فنحن لسنا مغالين إذا قلنا إنّه لا إسلام بغير عرب، كما وإنّه لا عرب بغير إسلام، فالعربُ مادة الإسلام، والإسلامُ سبيلُ عزّة العربِ ورقيّهم."(1)

كما ويذكرُ المؤرخون أنَّ لهجات العرب قبل الإسلام كانت متعددة تغلبُ عليها لهجة قريش، وإنّها لم تكن موحدة قبل نزول القرآن الكريم، فلما نزل القرآن سحرَ العقولَ ببيانه، وعمل على توحيد اللغة العربية، وحفظها من الاندثار.

* دور القرآن في حفظ اللغة العربية:

ممّا لا شكَ فيه أنَّ اللغة العربية مرت بأطوار ساعدت على تنشئتها وتدرجها؛ حتى بلغت ذروة الكمال حين نزول القرآن الكريم؛ إلا أنها بقيت مجرد لغة كغيرها من اللغات، حتى ارتبطت بالتشريع الإسلامي والقرآن الكريم، وبدأ الاهتمام بها من ذلك المنطلق؛ فبِدْء التدوين في علوم اللغة العربية إنما كان منطلقاً من مبدأ شرعي؛ إذ لما بدأ اللحن والخطأ في القرآن الكريم؛ بسبب توسع الدول واختلاط الثقافات ببعضها البعض؛ بدأ اللحن والخلل في النطق للقرآن يظهر جليّاً في لسان العرب، حتى صدر أمر رسمي من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه؛ بضرورةِ وضع علم النحو الذي قام بوضعه أبو الأسود الدؤلي، ثم جاء نقطُ الحروفِ بأمرٍ من الحجاج، كما ووُضعت معاجم اللغة، وكان أول من فكّر بوضعها؛ الخليل بن أحمد الفراهيدي، وفي ما وضعه الخليل من البلاغة والفكر القدر العظيم؛ إذ كان قائما على حساب جميعِ الاحتمالاتِ اللغويّة للمعنى، ثمَّ وضع ما تحتمله الكلمة من جميعِ الوجوه.

لسنا مغالين حين نقول إنّ بقاءَ اللغة العربية حية إلى يومنا هذا يعود الفضل فيه للقرآن الكريمِ، ولولاه لبادَتْ هذه اللغة واندثرت؛ كما اندثرت غيرها من اللغات الساميّة، غير أنّ القرآن بإعجازه وبلاغته أعجز الجميع عن أن يأتوا بمثله، فكانَ القرآن بمثابة النبع الصافي الذي أخذ الكُتّاب والأُدباءُ يغترفونَ من بلاغته، وينهلونَ منه في سبيل إثراء أعمالهم الأدبيَّة.

* دور القرآن في إثراء ملكة البيان:

كانَ للقرآنِ الأثرُ البالغُ في تطوير أساليب الكتابة الأدبيّة عند الكُتّاب والشعراء على حدّ سواء، إذ كان له دور كبير في ظهور معانٍ سامية وأخلاق رفيعة لم تكن عند الكُتّاب أو الشعراء قبلَ الإسلام، فأخذوا ينهلونَ منه في خطبهم وأعمالهم الأدبية، فكانت تظهر براعةُ من نزع منهم إلى حفظ القرآن والاشتغال بتدبره وحضور حلقات مدارسة معانيه، فيَفْضل على أقرانه، كما وإنّ للقرآن فضلاً في توسعة العقل العربي للنظر في كافة العلوم الأخرى كالفلك والطب والرياضيات.

لقد أحدث القرآن الكريم تحولاً كبيراً في اللغة العربية، فقد أدرك العرب وخاصة الذين عاصروا العصور الجاهلية ما يحمله من بلاغة وروعة في الخطاب القرآني مما ترقّ له القلوب، وتذرفُ له العيون؛ بل كان للقرآن الأثرُ البالغ في تزكية نفوس الشعراء وعلى رأسهم حسان بن ثابت رضي الله عنه -شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم- وكعب بن مالك وغيرهم؛ إذ لوحظ تحولهم إلى نظم شعرٍ يحمل معانٍ سامية، وقيماً روحية، وانبروا للدفاعِ عن هذه المعاني بما أُكرموا به من ملكة الشعر والبيان، فكانَ للقرآن النقلة النوعية لكثيرٍ من الأدباء والشعراء، ويظهرُ ذلك في كل العصور التي بلغ فيها الشعراء ذروتهم من الإبداع الشعري والأدبي كالعصر العباسي، والأندلسي.

حتى في العصر الأمويّ؛ يذكر المؤرخون أنّ من أهم عوامل نهضة النثر الفني والشعر وغيرها من ألوان الأدب التي برع بها الأمويون؛ فقد كان للقرآن أبرز عوامل هذه النهضة فقد أقبل العرب على حفظه والإكثارمن تلاوته ومدارسة معانية، لما له من أثر عظيمٍ في تقويم اللسان، وإذكاء ملكة البيان عند العرب، حتى بدأوا بتضمين خطبهم ونصوصهم الأدبية؛ آياتٍ وأحاديثَ لما لها من تأثير في النفوس، وبحثاً عن البلاغة، وما يملأ القرآن به الألباب من أساليب للبلاغة والتعبير.(2)

القرآن الكريم واللغة العربية توأمان لا ينفصلانِ، فمتى ما اتُّخذ القرآنُ ضرباً من ضروب العبادة اللفظية دون الالتفات لمعانيه وأساليب البلاغة اللغوية فيه؛ فقد ضُيّع قدرٌ كبيرٌ مما أنزل القرآن لأجله، فاللغة مادة الإنسانية، والقرآن ارتقى بها إلى ذروتها وأعلى درجات تقدمها، وهذا هو وجه من وجوه الإعجاز الأدبي الذي ذكره الرافعي(3)، ومتى ما ضُيّعت اللغة فقد ضُيّع الدين وهذا يُرى في ما أحدثه الجهل؛ من معايب باعتراض الغفلة، وكيد العدو بالأمة العربية، وما تتعرض له نصوص الشرع الحنيف من شبهات وتضليل ليس يُخرج منها إلا فقه اللغة، وفقه علومها وصلتها بالقرآن الكريم، فاللغة أعظم شاهد على إعجاز القرآن وبلاغته وحسن بيانه.

وفي الختام أذكر قولا للرافعي رحمه اللّه في كتابه تاريخ أداب العرب يقول(4): ما فرّط المسلمون في آداب هذا القرآن الكريم إلا منذ فرّطوا في لغته، فأصبحوا لا يفهمون كلِمَه، ولا يدركون حكمَه، ولا ينزعون أخلاقه وشيَمه، وصاروا إلى ما هم عليه من عربية كانت شراً من العجمة الخالصة واللكنة الممزوجة، فلا يقرُّون هذا الكتاب إلا أحرفا، ولا ينطقون إلا أصواتا.

______________________

(1)لمحات من تاريخ القرآن، محمد الأشيقر ص(٤٠٤)
(2)مواقف في الأدب الأموي، عمر الطبّاع ص(٣٥)
(3)تاريخ أداب العرب، الرافعي ص(٤٣٠)
(4)تاريخ أداب العرب، الرافعي ص(٤٢٩)
(5)مقال بعنوان دور القرآن في تطور اللغة العربية، عبد الكريم البوغبيش.