فى مقدمه كتابة " نهاية اليوتوبيا " - السياسة , و الثقافة , و اللامبالاه - الذى اصدره فى بداية الألفية الثالثة يؤكد راسل جاكوبى أستاذ التاريخ بجامعة كالفورنيا على أن عالم السياسة قد أضحى كئيباً و معتماً ، وفى ذات الوقت ليس سليم العاقبة فهو يتسم بالإنهيار الإقتصادى و الحكم الاستبدادى و العنف المتمثل فى تقاتل الأخوة

عند صدور الكتاب لم يكن قد ظهر على الساحة السياسة دونالد ترامب الذى صار لاحقاً فى عام 2016 أى بعد أكثر من 15 عاما من صدور الكتاب رئيساً لأمريكا ، ليدخلها الآن فى مأزق سياسى غير مسبوق يتمثل فى رفضه تسليم السلطة إذا خسر الانتخابات مستغلاً ثغرة فى الدستور الأمريكى تتمثل فى تجاهل كيفية إجبار الرئيس على تسليم السلطة إذا خسر الانتخابات .

ربما لم يدر بخلد واضعى الدستور فى أمريكا أن بلادهم يمكن أن تشهد ما يجوز أن نطلق عليه مصطلح "بلطجة رئاسية "

راسل كان يرى أن العالم مقبل على مقاومة للنظم الليبرالية سواء من الحركات الدينية و القومية أو الرجعية بما سيقود العالم فى رأيه لطرح خيار غريب يتمثل فى الأختيار بين القبول بالحالة الراهنة للامور أو القبول بما هو أسوء منها ، ولا توجد بدائل أخرى .

ثم يحسم راسل وصفه للحقبة التى تتسم بها الألفية الثالثة بقوله " لقد دخلنا حقبة القبول و الإذعان " وفى هذه الحقبة حسبما يرى راسل نقيم حياتنا و عائلاتنا و أعمالنا فى ظل توقع ضئيل بأن يكون المستقبل أمراً مختلفاً عن الحاضر .

لقد تلاشت الروح اليوتوبية بمعناها المتمثل فى أن المستقبل يمكن أن يتجاوز الحاضر و فى هذه المرحلة اصبحت اليوتوبيا تعنى اللا اتصال بالواقع كما اصبح يُنظر للشخص الذى يؤمن باليوتوبيات إما على أنه شخص معتل العقل او منفصل عن الواقع

و يصف راسل الزمن الذى سنعيشه فى الألفية الثالثة بأنه " زمن الإنهاك السياسى و التراجع " و يتحدث إلى الأجيال القادمة من الأمريكان تحديداً حيث ينتمى و يضيف إليهم الاوربيين بأن القادم لن يكون رخاء كما تتصور الأجيال الناعمة فآفاق المستقبل بحسب تعبيره " كئيبة بائسة "

و توقع راسل انهيار الرؤى والطموحات الثقافية فى معظم دول العالم ومع هذا فأن راسل جاكوبى يرى فى نهايه كتابه أن " التاريخ يخادع أكثر طلابه جداً واجتهاداً و لعله يخفى لنا مفأجاة فى بداية الألفية الثالثة من يدرى ؟ "

لكنه طوال الكتاب يتحدث عن نهايات ... نهاية الايديولوجيا ..خرافة التعددية الثقافية ..الفوضوية ..الحكمة بالتجزئة و الجنون بالجملة... و هو رغم تأرجحه فى توقع المستقل إلا أنه حسم أمره بالقول " إن المستقبل سوف يكون مختلفاً عن الحاضر كل الاختلاف "

و هذه حقيقة ستخسر كثيراً كل الدول التى لم تتنبه لها بما فى ذلك بل ربما فى المقدمة أمريكا نفسها .