إليك وحدك

بين "مَنْ يَقود المسيرة" في كتاب "العادات السبع للمراهقين الأكثر فاعلية" للكاتب "شين كوفي"، وبين "أنتَ نسيج وحدك" في كتاب "جدد حياتك" للكاتب "محمد الغزالي"، كُنتَ أنتْ.

هل شَعرتَ ذات يوم أنّ الزمن يتوقف؟ وأنّ الأحرف تختفي مِن الصفحات لتترك لكَ بعضها كإضاءات لك للسير خلفها؟ أو أنّ آيةً دون غيرها قد جذبت انتباهك لعدة أيام أو عَلِقت في ذهنك؟

مَن يقود المسيرة؟


في كتابه العادات السبع للمراهقين الأكثر فاعلية يقول شين كوفي: "إذا لم تمتلك رؤيةً مستقبليةً لنفسك فإنّ غيرك سيُنشؤها عنك". ولو نظرنا إلى أنفسنا لوجدنا الأمر صحيحاً إلى حدّ ما. في العلاقات بين الأشخاص: سواءً داخل إطار العائلة، أو بين الأصدقاء، أو في علاقات العمل، وفي التوجّه الديني والسياسي، وحتى في الحب، إنْ لم تمتلك زمام أمورك فإنّ غيرك سيحدوك ويتّجه بعقلك وقلبك إلى حيث يريد هو لا ما تريد أنت.

قد تُخبرني: "وماذا في ذلك، لربما مَن جعلتُ زمام نفسي بيده أدرى مِني بها". للإجابة عن قولك، تعال وإياي للأسطر التالية.

أنت نسيج وحدك

يقول الغزالي في كتابه جدد حياتك: "أنت نسيج وحدك فاغبط نفسك على هذا". بصمة يدك، وبصمة عينك، وكل خلية فيك تختلف عن الآخرين. لهذا، ابحث في نفسك عن مزاياها، وخالط الآخرين لتقوّي هذه المزايا، لا لتنصهر معهم في مزاياهم متغافلاً عن نقاط قوّتك. خالطهم لتتكئ بضعفك على قوتهم فتنهض بهم، لا لتسقط معهم في مستنقع الضعف أياً ما كان.

اجعل من ضعفك قوّة

حتى نقاط ضعفنا نتفرد عن غيرنا في طريقتنا في التعامل معها ومدى قدرتنا على تخطيها. انظر معي إلى:

· قوله عليه السلام للمرأة التي كانت تُصرع إن شئتِ دعوتُ الله أنْ يُعافيك وإنْ شئتِ صبرتِ ولك الجنة. قالت: بل أصبر.

· وعن الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: دُلَّني على عملٍ يدخلُني الجنَّةَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: لا تغضب ولك الجنة.

· وقصة عمرو بن الجموح الذي ما إن عَرَف الطريق سارع إلى الوصول. قال عمرو بن الجموح: "يا رسولَ اللهِ مَن قُتِل اليومَ دخَل الجنَّةَ ؟ قال: (نَعم) قال: فوالَّذي نفسي بيدِه لا أرجِعُ إلى أهلي حتَّى أدخُلَ الجنَّةَ فقال له عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: يا عمرُو لا تأَلَّ على اللهِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (مَهلًا يا عُمَرُ فإنَّ منهم مَن لو أقسَم على اللهِ لَأبَرَّه: منهم عمرُو بنُ الجَموحِ يخوض في الجنة بعرجته).

في نَفْس كل منا نقص، فانظر نقصك وتدرب على تخطيه، تقبّل نفسك كما هي وابدأ سيرك نحو هدفك، واعلم أنّه لا يُحاسب على قرارك إلا أنت فأحسِن الوجهة.

تحويل القبلة وتدريب النفوس

انظر المصحف في سورة البقرة من آية 142 إلى آية 157 (سيقول السفهاء ....وأولئك هم المهتدون)

بدأت الآيات برأي الآخرين عن تحويل القبلة، ثم إشارته تعالى لكوننا أمّةً وسطا، ثم انتقاله لما كان عليه حال النبي عليه السلام وما كان يرجوه مِن ربه دون أنْ يُصرّح به للآخرين، ثم توجيهه لنبيه إنْ بقي على خوفه مِن ردّة فعل الآخرين مِن رأيه، ثم تبيان أنّ الحق بيِّنٌ، ثم آية ولِكُلٍّ وِجْهةٌ هو مُوَلِّيها، فاستبقوا الخيرات.

هذه الآيات بترتيبها وإن كانت عن تحويل القبلة آنذاك، لربما تنطبق على أحوالنا أيضاً. كم مِنا عَلِم وجهةَ قلبه ثم خشي ممن حوله فارتكب الخطأ في حق نفسه خوفاً مِن الآخرين. لكل مِنا رغبات عقلية وقلبية، قد نُوافق عليها، وقد نُمنع عنها. "فاستبقوا الخيرات" بوصلتنا التي تحدد المسير والوجهة.

لا يتوقف الحديث هنا، بل تُكمل الآيات في حث الشخص على أنْ يستمر في طريق الخير الذي رسمه لنفسه، أياً كان "فلا تخشوهم واخشوني" ثم يبين أننا في طريق سيرنا نحو وجهتنا سنُلاقي مصاعب شتى ويبين طريقة تخطيها "يعلمكم الكتاب والحكمة.. فاذكروني.. استعينوا بالصبر والصلاة"

قد لا تتوقف الصعاب التي ستواجهك، عليك الاستمرار في طريقك، وإن كان لك هدف آني في الدنيا، فاجعل هدفك الأسْمى الجنة، أيّاً ما كان هدفك الدنيوي فالجائزة "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

الخلاصة

1. يقول سيد قطب في ظلاله فيما معناه: بين جاهلية نفسك، وجاهلية ما حولك، وجاهلية المشاق والمُغريات الباطلة في هذه الحياة، ابحث عن نفسك وعن الخير في الآخرين. ابحث عن الطريق الصحيح الذي أنشأ القادة، الذي أخرج القبائل المتناحرة مِن طريق الضياع فجعلهم أئمة العالمين لقرون.

2. ويقول كذلك: اذكر الله، لا ذكر لسان فقط، بل ذِكْرَ أفعال. ذِكْرَاً يأخذ بيدك والآخرين لطريق النور الذي بوصلته "واستبقوا الخيرات".

3. مهما كان عمرك، تذكر أنَ الحق ليس له عمر لاتباعه زيد بن ثابت تعلّم العِبرية صغيراً وكان أصغر مُترجم. وعلي ابن أبي طالب نام في فراش النبي وكان صغيراً، ولم يتوان أبو بكر أنْ يتبِّع الحق رغم كونه شيخاً كبيراً، وبايعت أم عمارة نسيبة بنت كعب وأم منيع أسماء بنت عمرو الرسول في بيعة العقبة الأولى، واستشهدت سمية.

4. أياً ما كان الحق: تصحيح مسار عمل، تصحيح تفكير، تصحيح سلوك، أم تصحيح حياة. ابدأ بنفسك الآن، ولا تنس أنّ البوصلة "واستبقوا الخيرات".

____________________

اقرأ أيضاً

____________________

عودة الفرسان

عاشق على بحر حيفا

طريق الهجرتين وباب السعادتين

وإنّ مِن البيان لسحرا

العاشق والمعشوق