التداوي بالكتابة هو نهجٌ مَارَسَتْهُ والدتي معي، لا أعلم هل عن قصد منها أو دون قصد، كنتُ صغيرةً عندما لاحظتُ هذا، لم أعرف تحديداً متى بَدَأتْ والدتي بتعليمي الكتابة وحثي عليها. لكنها لطالما جعلتني أُعبِّرُ بالكتابة عن نفسي حين الغضب، لطالما طلبت مني ملئ الورق بمشاعري، أذكر أنّه وإثر خلاف ما فقدت القدرة على الحديث ليوم كامل، لم تأخذني لطبيب أو مُعالج نطق، لكنها جعلتني أكتب فقط. فهل حقاً هناك نوع من العلاجات يُسمّى التداوي بالكتابة؟

هل فَكَّرْتَ يوماً لمَ أحب الجميع الفيس؟

لأن الفيس بوك وغيره من التطبيقات المشابهة تجعلنا جميعاً نكتب بغضِّ النظر عمّا نُخبرُ الجميع به. حتى أنّ البعض يكتب بأسماءٍ وهميةٍ لأنه لا يكتبُ للشهرةِ بل للكتابة. من هنا نُدرك أن الكتابة خُلِقت للجميع، تقول جوليا كاميرون في كتابها "حق الكتابة: دعوةٌ للبدء في الحياة"، "جميعُ الناس ولدوا ليكتبوا"، بينما تقول إليزابيث سوليفان "الكتابةُ هي عمليةُ مراقبةٍ للمشاعر".

الكتابة هي التحدث إلى نفسك وعن نفسك وهي الإبحار في وعيٍ آخر، جميعنا لدينا مخاوفنا، ذكرياتنا التي ربما ندفنها تحت غبار الأيام، الكتابة تستطيع أن تستخرج بواطننا التي لم نُرِد الإفصاح عنها، حتى أنّ مستغانمي تقول في ثلاثيتها " الرواية جزء بين الحقيقة والخيال".

إذاً فالكتابة كما يراها كل من مارسها أنّها تداخلٌ للحواس على إيقاع الروح، هي نوعٌ من الرقص، أو نوعٌ من الرياضة، أو حتى يمكن القول أنّ هناك نوع مِن المقاومة بالكتابة. أياً تكن فهي بالتأكيد مفيدة. كثيرٌ من الناس يحتفظ بمدونات من صغره بخط يده، أو كما هو الحال مع التقنية الكثير يُنشئ صفحةً أو محادثةً بينه وبين نفسه، يكتب لأنه يريد أن يكتب، يحادث نفسَهُ بالحديث الذي تُريد أن تسمعَهُ أو بالحديث الذي تخافه.

التداوي بالكتابة ثلاثة أنواع

1. التداوي بالكتابة الحرة

تلك التي نمارسها بعفوية كأن تستيقظ إحداهُنّ صباحاً فتجد أن أخاها الصغير قد قام بإتلاف أو كسر شاشة الجوال لديها فتُرسل إلى صديقتها المقربة وتقول: " يا إلهي هذا اليوم لا يسير وِفق ما أريد، منذ الصباح كُسر جوالي" فتجيب صديقتها " أحبك" هي بالتأكيد لم تُرسل لصديقتها لتجد من يُصلح الجوال في هذا الوقت الباكر، وهذا ما فهمته صديقتها، هي أرادت التنفيس عن مشاعرها فقط. الإناث يفهمن جيداً أن الثرثرة المسموعة أو المكتوبة مع عصر التكنولوجية ما هي إلا وسيلة للتنفيس، ووسيلة مساعدة في امتصاص المشاعر السلبية لهذا جاءت الإجابة مقتضبة شاملة مليئة بكم من المشاعر الإيجابية. لكن دعوني أخبركم بشيء، أعتقد أنها لو كانت صديقتي لأرسلتُ لها رداً "إن لم تترُكيني أنام الآن سآتي وأحطم ما تبقى من شاشة جوالك". ربما عليّ البدء في تعلم طُرُق امتصاص غضب الآخرين.

2. التداوي بالكتابة الشِعرية

هو نوعٌ من الكتابةِ توارثته كلُ لغات العالم، هو كلامٌ موزونٌ غيرُ مباشرٍ يستخدمُ الإشارات والتلميحات، كان البعض يكتُبه من أجل الهجاء، المدح، الفخر، البكاء، الشوق، الحب، وغيره من الأسباب، بعضه انتقل إلينا وبعضه لم يُسجل، ولد ليموت وأنا أعلم أن هناك كثير من الشعراء من يكتب ثُمّ يمزق، لأنّه يشعر بأن الشِعر جزء من ثيابه لو نشرها لكأنّه يتعرى أمام الجمهور.

لكن ربما من الأبيات التي يمكنني أن أُصنفها على أنها تداوي بالكتابة هي أبيات ابن زيدون في قصيدته أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا:

لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا؛ أنْ طالَما غَيّرَ النّأيُ المُحِبّينَا!

وَاللهِ مَا طَلَبَتْ أهْواؤنَا بَدَلاً مِنْكُمْ، وَلا انصرَفتْ عنكمْ أمانينَا

3. التداوي بالكتابة كرسائل موجهة للغير

لتفسير هذا النوع دعنا نتخيلُ هذا، في العمل وجّه مديرُك توبيخاً شديداً لك، أنت تعتبر نفسك لست مُقصراً، تود لو أنّك تذهب إليه تكيل اللكمات في وجهه أو الألفاظ النابية، لكن لن تُخاطر بعملك؟ ما الذي يجب عليك فعله الأن؟! أجل، اكتب، قم بالكتابة عن كل شيء وأي شيء، ربما حتى تقوم باستخدام الكلمات النابية إن أردت، لكن لا تنس أن تتلف هذه الرسالة، أو تأكد من الاسم الصحيح إن استخدمت الرسائل الإلكترونية، تأكد أن المُستقْبِل هو أنت، لا تود أن تفقد وظيفتك بالتأكيد. لكن ما الذي سيحدثُ الآن عند قيامنا بالكتابة لنفسنا رسائل نود توجيهها للغير؟ يقول علماء النفس أن هذا يُخفف من الضغط الحاصل عليك، بل ربما تنسى ما حدث تماماً، بعض الأحيان كلّ ما نحتاجه هو التفريغ من شحناتنا السلبية لنصلَ للتعادل والتوازن النفسيّ.

الخلاصة

التداوي بالكتابة أو العلاج بالكتابة هو علاجٌ منخفض التكلفةِ فقط كلّ ما تحتاجه ورقةٌ وقلم، مدونةٌ، أو حتى دردشةٌ أُحاديةُ الأشخاص، أكتب كل ما تريد، الكتابةُ تُحَسِّنُ النمو، وتعزز الثقة بالنفسِ، وتُذهبُ الضغوط، الاحتفاظ بالمكتوب أو عدم الاحتفاظ به هو عائدٌ لك.

في دراسةٍ تمّ إجراؤها على مرضى الربو والتهاب المفاصل وغيرها ممن يتعرضون لضغوطاتٍ يوميةٍ، وجدوا أن من يمارس الكتابة أفضل في التقييمات النفسية من غيره من الأشخاص ممن يحملون نفس المرض لكن لا يمارسون الكتابة، كما أنّ الدراسات تقول أن الكتابةُ تُحَسِّن الجهاز المناعي، وتُقلل من أعراض ما بعض الصدمات، كل هذا بشرطِ المحافظة على الكتابة بانتظام كنوعٍ علاجيّ.

حديثاً الكتابةُ تُحَسِّنُ العائدَ الماديّ أيضاً؛ إن أحسنتَ استغلالها، وذلك إن كُنتَ تعملُ ضمن المنصاتِ التي تعتمدُ الكتابةَ عن بعد كمستقل، رقيم، أو أكتبلك. كما أنها تُكسبُك المزيد من الأصدقاء ك: الفيس، تويتر، أو كما اكتسبتُ أصدقائي من رقيم.

ويمكن أيضاً أن تُكسبك ثواباً حين تُدخل السعادة على قلب الغير بتقدير جهده عَبْر ترك تعليق، إعجاب، تقييم، أو مشاركة المنشور. كما أني أستمتع بقراءة مواقفكم الطريفة التي مررتم بها خلال الكتابة، انتظر تجاربكم بشغف.

اقرأ أيضاً

الاستنباط، كيف تصنع من ابنك نابغة؟

عاشق على بحر حيفا

الربح من الإنترنت، 7 طرق لفعل ذلك الآن