العاشق والمعشوق، حين تتحول الكتابةُ مِن نجاةٍ إلى غرق، وحين يُصبح التداوي بالكتابة داءً لا دواءً، وحين يَغْرَق القارئ في حرف كَتَبهُ حين قرأه.

العديد من الروايات انتهى بها المطاف لديّ بأن تكون ورقاً لعصافيري؛ إنْ لم يُفلح الكاتب أنْ يجعل مِن روايته عشاً لروحي، فلعل ورقها يَصْلح لأن يكون عشاً لهم. رواياتٌ خاليةٌ من النبض، جافّةٌ تتهشم أمام ناظريك، يُصدرُ ورقها صريراً كبابٍ صدئٍ مِن ثِقل ما يحمل فيه مِن مُلوثات. أما العاشق والمعشوق رواية مِن نوع آخر، فقد وَقَعْتُ في غرامها من أول نظرة.

رواية العاشق والمعشوق

1. غلاف رواية العاشق والمعشوق

غلاف العاشق والمعشوق من تصميم محي الدين اللباد الفنان المصري. برسومات وكأنها آتيةٌ من الثقافة الصينية أو اليابانية أو آتيةٌ مِن عالم الجان، لا أعرف حقيقةً ما الذي فكر فيه محي الدين حين صمم الغلاف، لكنه وفي رأي الشخصي مناسب لما سيأتي بعده، وتصميمها أسرني من الوهلة الأولى لأُلقي نظرةً عن قُرب. ما إن حملت الرواية بيدي إلا ولاحظت غلافها الغريب مِن الخلف؛ فصورة الكاتب تملأ الغلاف الخارجي الخلفي للرواية، أما الغلاف الداخلي الخلفي فكُتب فيه نبذة عن الرواية، حيث يقول الكاتب فيها:

"اكتمال العشق

اختراق الحُجُب!

حدثَ قديماً جداً، في إحدى الممالك القديمة، أن وُلِدت أميرة كما لم يولد مثلها مِن قبل..." ثم يستمر الكاتب إلى أن يقول: "سوف يُصبح هذا الكتاب كتابك، أنتَ الذي يكتبُ أمام عينيكَ، فهو منك وإليك، فانتبه"

2. دار النشر

رواية العاشق والمعشوق بطبعتها الأولى هي لدار شرقيات للنشر والتوزيع، حيث كانت الطبعة الأولى عام 1995.

3. الإهداء

"إلى فاتن". هكذا ببساطة كان إهداء الكاتب في روايته العاشق والمعشوق، هل لفاتن دور في الرواية؟! يبقى هذا الأمر سراً لدى الكاتب، لم يُفصح عنه بأكثر من حرف الجر وفاتن التي جرّت قلبه للهاوية، وجرّتنا معه. وكأن فاتن كناية عن كل جَمال آسر في الكون، وعن كل فِتنة في هذه الحياة الدنيا.

4. مُقدمة الرواية

في الصفحتين التاليتين للإهداء نجد في الأولى مقولة منسوبة للسري السقطي يقول فيها: "لا يكتمل العشق إلا إذا قال العاشق للمعشوق يا أنا" ثم في التالية لها: "حكاية الأميرة وكيف تم عشقها على الوصف وما جرى بعد ذلك مِن غريب الكلام وأمور العشق" صفحتان لخصتا العاصفة التي امتدت من 13-95.

5. العاصفة

العاشق والمعشوق، نبذة مِن الرواية وأحد التقييمات لها

ابتدأها بقوله: "كان هذا العنوان هو أول ما تَبَدّى لي من صفحة الغلاف الأحمر الباهت المتآكل مكتوباً بخطٍ منمنمٍ جميلٍ، أحسستُ بخفق مَن هو مُقبل على جلل، كيف لا وأنا أبحث عن هذا المخطوط منذ عام..."

ثم ينتهي بقوله: "هلم إليّ سيد نفسي لأضمكَ إلى صدري، فقد أمضني الشوق، آن لغربتك أن تنتهي بعد خطوة أخيرةٍ تخطوها، وآن للعاشق المُجدّ الأَوْب إلى معشوقه ليكتمل به، آن لي أه أهمس لكَ: يا أنا".

يأبى الكاتب من البداية للنهاية إلا أن يأخذك في دهاليز عاصفةٍ تحملك للسماء ولا تهبط بك إلى الأرض. يعزف لك بالكلمات سحراً يسرقك منك، ومع كل حرف ينبض قلبك، تارةً يرتفع النبض وتارة ينخفض، وتارةً أخرى ينخلع مِن مكانه حتى لكأنك أوشكت على أن تُصبح حرفاً فيها مِن شدة الانجذاب، تتوقف أنفاسك وأنت تقرأ:

"ها أنت حبيبي على مشارف لحظة هي الأبد، هذا التجلي يغمر قلبك للمرة الأخيرة، فما شاهد ذلك قبلك غيرك، كما لن يراه بعدك غيرك..."

ثم تكاد تبكي وأنت تقرأ:

"سيدتي تُقرؤك السلام وتقول لك: الآن أنت مني، فأنا الكلمات الثلاث، وأنت الذي على يدك تتجسد معاني كلماتي، فادن ولا تخف..."

بين صفحة وصفحة، مشاعر مختلطة تمر عليك، وكأنك في حضرةٍ صوفيةٍ؛ تتراقص الروح مع الجسد. روايةٌ تفصلك عن الواقع لتسير معك بعد الانتهاء منها عدة أيام وربما عدة سنوات، وكلما قرأتها أكثر كلما تكشّفت لك معاني لم تكن لتُدركها من المرة الأولى.

رواية لا تصلح لأن تقرأها وأنت تشرب كأساً من النسكافيه أو الكابتشينو، فمثل هذه الأجواء تحتاج إلى روايات "مودرن" بينما العاشق والمعشوق تأخذك إلى نار الصحراء حين كانت دليلاً على الكرم إن اشتعلت ليلاً، وتأخذك إلى رائحة القهوة العربية التي تتصاعد مِن خيام البدو دليلاً على انتظارهم إياك، وتأخذك إلى عيون جميلةٍ عربيةٍ سمراء تكحلت، فكان الحكل الأسود يزيد اتساع عينها السوداء التي ما إن يُنظر لها حتى يغرق الشخص فيهما وينفصل عما حوله. يقول الكاتب في روايته:

"تذكرتُ مَن قرأوا المخطوط قبلي وفارقوا كيف جاءهم الموت؟! هل كان حالهم مثلي؟ هل أصابتهم صدمة ضياعه بالسكتة؟ هل استيقظ أحدهم بعد سبع ليال من السهر مع صاحبة المخطوط دون إغماضة جفن، دون أخذ نفس، أو التصبر ببضع لقيمات وجرعة ماء تحفظ من العطب ليفيقوا على اختفائه مثلما حدث معي، هل أحسوا بالخواء بعد ضياع عوالم ومدن وبشر وسماوات وأرض؟..."

وما إن تنتهي من حروفه حتى تتحسس قلبك مع كل علامة استفاهم، وفاصلة، ونقطة، ثم ها أنت مازلت تشعر بنبضه فتستمر في الفصول المتتالية في الرواية. تنتقل من حكاية إلى حكاية وتستيقظ من حلم لتقع في آخر، وتمخر الوقت بحكايات الجدات اللواتي كنّ يجمعن أطفال العائلة ليروين لهم قصص العفاريت والجان الممزوجة بالعشق والغرام. كل ذلك وأنت تُقلب أوراق الرواية حيناً بعينيك وحيناً بقلبك وحيناً بذاكرتك.

6. تقييمات الرواية على جوود ريدز (Goodreads)

العاشق والمعشوق، تقييم ورأي القارئ على جوود ريدز

لم تأخذ الرواية 5 نجمات، فرواية مِن زمن ألف ليلة وليلة تحتاج إلى جمهور خاص، تحتاج إلى "سمّيعة" نوع مِن القرّاء الذين يحمِلهم بساط سندباد إلى ما وراء البحار، إلى ما وراء الغيم، رواية حالمة ساحرة، تقف بك على أبواب القصور، وتطرحك وحيداً ظمئاً على رمال الصحراء. وعندما تعتقد أنك وصلت أخيراً إلى الرِيّ زدت عطشاً وزاد الرِيّ بُعداً؛ فأنت سائر وراء سرابٍ مِن: الحب، والإيمان.

يقول الكاتب: "هناك أسماء أخرى إذا ذُكِرَتْ فتعنيه هو تحديداً، منها كتاب الأزل، ومنها كتاب الزمن، والكتاب الحي مِن ضمن أسمائه أيضاً"

لا يقف بك الكاتب على حدود الحب والإيمان فقط، بل يسير بك في متاهةِ دمج العَمارة مع الكتابة، فيقول الكاتب: " المخطوط يستخدم معماراً معقداً عُرف في حضارات سابقة بادت، وإن به لمسات أخرى غير العمارة؟، وإنه بُني على هيئة متاهة هائلة يُفضي بعضها إلى بعض... وإن العاشق والمعشوق هو قانون بنائه، فلا توجد فراغات، بل توالد بلا انقطاع" هل تتخيل أنتَ بأنّ الحرف بناءٌ مِعماريٌّ يحتاج إلى هندسةٍ كي يبقى قوياً مُتماسكاً، يحتاج إلى أساسٍ قويٍّ، وإلى خرسانةٍ تُجابه النُقادّ. وهذه العاشق والمعشوق، وإن كان الكاتب يقصد بكلماته مخطوط الرواية إلا أنه استطاع أن يُحوِّلك بطريقةٍ سلسةٍ حالمةٍ إلى روايته، كل كلمةٍ يمكنك أن تُسقطها عليه أيضاً، رواية العاشق والمعشوق بدأت قويةً وانتهت قويةً وأثناء ذلك لا تتركك دون أن تُفكِّر في حياتك مُنذ أول صرخةٍ لك فيها، منذ أول احتضان، وأول حب، وأول فشل، وأول بكاء إلى ما أنت عليه الآن. هل حقاً جميعنا أطراف في الرواية؟ وهل عِشنا قبل ذلك الآن؟ وأين تذهب الأحلام التي نراها؟ ومتى نموت؟

الخلاصة

رواية العاشق والمعشوق روايةٌ مِن عهد الجدات وقصصهم ومواويلهم التي تجمع قوّة الغول والغيب والمجهول، مع قوة الحب. أيُّهم ينتصر؟! السير خلف إيمان صحيح صادق هو المنتصر دائماً، أما السير خلف الأوهام فلا يقود إلا إلى وهم. لكن هل ننجح دائماً في معرفة الوهم من الحقيقة؟! وما هي عاقبة ألا ندرك أننا نسير خلف الوهم؟!

أنتَ فقط من يمكنه الإجابة عن السابق، وعن سؤال المخطوط، وعن رواية الكاتب.

العاشق والمعشوق كُتِبتْ مِن أجلكَ أنتْ. أنت فقط. إن أردت أن تقرأها وأنت تقترب مِن الحب خطوة، ومن الحقيقة أُخرى ابدأ مِن هنا: تحميل رواية العاشق والمعشوق، كما يمكنك الاستماع لصوت المطر مِن هنا: عليك أنْ تَفتح باب الأحزان بنفسك


ملاحظة: السابق هو رأي كاتب المقال، إنْ كنتم قد قرأتم الرواية مِن قبل، ولديكم رأي مُخالف فيُسعدني سماعه في التعليقات.

تقييم الكاتب للرواية: خمس نجوم


اقرأ للكاتب أيضاً

عاشق على بحر حيفا

حين جمعنا نزار وفرقتنا أحلام

فلسطين الماضي والحاضر والمستقبل

عودة الفرسان

كما ويمكنك التسجيل في رقيم من هنا