بَدَأَ حديثَه معي عن نزار قباني، ثمّ أرسل:

"هذي دمشق وهذي الكأس والرّاح

إني أحبُّ وبعض الحبِّ ذبّاح"

وأطلق تنهيدة. وإن سألتموني عن طريقتي لسماعها؟! فإني لم أسمعها في الحقيقة. بيننا آلاف الكيلومترات. لكن وكأنّ ذلك النسيم الشمالي القادم إليّ، حَمَل معه أنْفاسه. فأجبتُه بنفْسِ القصيدة:

"للياسمين حقولٌ في منازلنا

وقطة البيت تغفو حيثُ ترتاح"

سكَتُّ برهةً وأصابعي على لوحة المفاتيح لأُضيف في تباطؤ:

"خمسون عاماً وأجزائي مبعثرة

فوق المحيط وما في الأفقِ مصباح

....................

والشِعر ماذا يبقى في أصالته

إذا تولّاه نصّابٌ ومدّاح"

رويداً رويداً توطَّدت صداقتنا. كنّا نغفوا على شطر بيت ونستيقظ على شطره الآخر. باعدتنا بحور الماء، وقرّبتنا بحور الشِعر. وبينهما كنّا "نُمشِّط أرصفة الطرقات". لكن، وككل شيء كان بيننا "لكن". لا يمكن لِلَيْلَةٍ أنْ تكتمل في ثرثرتنا دون هذه ال ...لكن.



لم نتعاهد على شيء، ولم نسر على شيء، وما بيننا فقط مُراسلاتٌ لم تصل لغادة وغسان، أو غيرهم ممن تبادلوا الهمسات الورقية. حتى أنّ بعض همساتنا كانت صُراخاً مسموعاً مرئياً للجميع.


سعاد الصباح كن صديقي


دائماً تصل إلى فمي نصف ضحكة ساخرةٍ حين يصعد القمر وينتصف السماء، كل مغرور عليه أن ينشر جَماله في الأرض مرةً. لكنّك لم تكن قمراً منيراً أبداً. لقد كنت دائماً شمساً. لكن تلك الشمس التي ما إن تظهر حتى تُعمي الأبصار من ضوئها، لا يمكننا أن نُطيل النظر إليها، ولا الجلوس تحتها. خاصةً وأنتْ تعلم عدائي مع الشمس. مُنذ صِغري وأنا أحب رؤية تفتح الياسمين من نافذة غرفتي، والاستمتاع بعطر أزهار البرتقال والليمون في وقت الفجر، لكنّي لا أجرؤ على الجلوس تحت الشمس، حتى شمس الشتاء لي عداء معها، ومعكَ.

سعاد الصباح كن صديقي


بيني وبينك مسافاتٌ كما في ثلاثية أحلام مستغانمي. ذات يوم أخبرتُك أنها أكبر معاصيّ، وأخبرتني أنّي أكبر معاصيكَ. ألم أُخبركَ أنّ بيننا مسافةً لم يمكن لفنجان قهوتي أن يقرِّبها.

- أريد أن أطلب منِكِ طلباً، ارسميني.

لم يكن لي أن أرفضَ طلبكَ، وبدون تردد أمسكت بقهوتي، رسمتُك وأرسلتُ لكَ صورتك.

لم أكن كخالد في رواية مستغانمي ذاكرة جسد، هل تذكر خالد؟! لقد كان بيدٍ واحدةٍ. لكنّي أملك كلتا يديّ. لكنّي بشطر قلب.

رسمةٌ فرسمةٌ وبَدَأَتِ الأرصفة بيننا تتباعد، لقد أصبحتَ جسراً، أمّا أنا فأصبحتُ بيتاً زائداً من مراثيك. مَن تعشقُ شاعراً عليها أنْ تعرف أنّها في رحلةٍ مؤقتةٍ بين أوراقه إلى أنْ يجد لها القبر المناسب.

وأيُّ قبر كان لي وأنا التي كانَتْ تحمل اسمكَ بين شفتيها لحناً وفي قلبها نبضاَ وفي جسدها روحاً. ماذا كان قبري؟! حتى أنّي لا أعرف في أيّ قبرٍ قد واريتني. أو لعلك أغرقتني في نهرٍ أو دفنتني في باطن جبل يا سيّد الجبل. وأنا التي قالت لك لا تجعل الحب نزفاً حين أخبرتني أنك نقشت اسمي على شجرة.

"مآذن الشام تبكي إذ تُعانقني

وللمآذن كالأشجار أرواح"

ألا يقول نزار قباني هذا؟! أليس أنتَ مَن عَلَمْتَني على كفيّكَ أنّ الطبيعة تتنفس، تعشق، وتبكي أيضاً. فكيف تسمح لاسمي أنْ يؤلم شجرة. أيُّ حبٍّ هذا الذي يُبنى على آلام الآخرين وشظايا أرواحهم.

نزار قباني علمني حبك


تقول أحلام مستغانمي في روايتها على لسان خالد "يستيقظ الماضي الليلة داخلي مُربكاً. يستدرجني إلى دهاليز الذاكرة"

وهذا هو حالي الآن، لا أعلم هل يسير القمر سريعاً أم أني مع الكتابة لكَ يسرقني الوقت منّي ويُعيدني إليكَ. منذ برهةٍ كان القمر يعتلي نافذتي لكنّه الآن اختبأ. ربما سرَقْتَه ووضَعْتَه في إحدى قصائدكَ، وربما كعادتكَ حين تَغار، تقتُل.

وتعود لي أحلام أيضاً "أحاول أن أُغلق باب غرفتي وأُشرع النافذة، أحاول أن أرى شيئاً آخر غير نفسي، وإذا النافذةُ تُطل عليّ... فهل عجبٌ أنْ أُشبه هذه المدينة حدّ التطرف؟!"

كنتَ ابن الجبال وكنتُ ابنة الساحل، كنتُ أعتقد أننا لن نجتمع ذات يوم. لكن وببساطة قدر أخذك القدر مِن على جبلك إلى ساحلٍ لا تنتمي له، لكنّ الساحل بجماله، ساحلُ الحمراء في بيروت تعرفه، نبذك. وها أنت الآن لا تعتلي جبلاً ولا تجد لقلبك مِرفأً. رحلتك ممتدةٌ مُحترقةٌ كبيت شِعرٍ وجد الشاعر أوله ولم يستطع أن يكتب له خاتمة.

أخبرتُك ذات يوم أنّ أوّل ما دفعني لقراءة ثلاثية مستغانمي هو خطّ نزار قباني على الغلاف، وأنا التي عشقتْ نزار قباني منذ الصغر، شدني قوله عن أحلام مستغانمي: "هل كانت أحلام تكتُبُني في روايتها دون أن تدري، لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء بجماليّةٍ لا حدّ لها، وشراسةٍ لا حدّ لها، وجنونٍ لا حدّ له". ثم أضفتُ لكَ قائلةً أني لو كتبتُ إهداءً على ظهر الرواية لقلتُ: "هل كانت أحلام تكتبُنا في روايتها دون أن ندري" لكن قبل أن أُكمل تنبهتُ إلى أنها خَلَطَتْ بين قلبينا فصنعتكَ رساماً وأنتَ الشاعر، وصنعتني كاتبةً وأنا التي أرسم. لكنّك لم تنتظر من صمتي أن يُثمر ولا من حرفي أن يكتمل فابتسمتَ، ثم أخبرتني أنّك لا تقرأ لها، وأنّ ثلاثيتها رواية ضعيفة، لا ترقى لأن تكون رواية ناجحة ذات صيت. ابتسمتُ وأنا أنزع أحرفك من قلبي، لم أعد أعرفُ تماماً هل تقصدها أم تقصدني.

أغلقتُ المحادثةُ وعُدْتُ وككل حزن إلى ما خطّ نزار قباني على وجعي، أقصد على رواية أحلام مستغانمي لأقرأ باكيةً: "النص الذي قرأتُه مجنون، يُشبهني إلى درجة التطابق، مجنون، متوتر، اقتحاميٌّ، متوحشٌّ وخارجٌ عن القانون مثلي.. روايةٌ مغتسلةٌ بأمطار الشِعرِ" أطلقتُ العنان لنفسي في البكاء، وقلتُ وأنا كذلك مغتسلةٌ بأمطار الشِعر، لكنّها أمطار لا تُطَهِّرُ القلبَ بل هي كأمطار السيّاب "هذا هو اليوم الأخير" فهل تعلم أيُّ حزن يبعث المطر؟!