طريق الهجرتين وباب السعادتين، لو أنّ الكَاتب قَصَدَ أنْ يُذيِّل توقيع الكِتاب بعامنا هذا لجاز له وصحّ، يتحدّث الكاتب مُحمّد الزرعي في كِتابه عن هجرتين كما هو موضّح في العنوان: هجرة الجسد، وهجرة الروح. كِتاب تبدأه بروح دُنيوية، وتُنهيه وقد سمت روحك إلى الملأ الأعلى وانفصلت عن جسدك الفاني. تتدرّج فيه مِن مُتعلّمٍ، ثم صوفيٍّ، فعَالمٍ. ما بين دفّتيه روحك بين خوف ورجاء، ولنْ يستطيعه إلا محبّ.

طريق الهجرتين وباب السعادتين

1. غلاف طريق الهجرتين وباب السعادتين

كأغلفة الكُتب الدينية القديمة، نُقوشٌ إسلاميّةٌ، وبرواز خفيف يُحيط باسم الكتاب وكاتبه.

2. دار النشر طريق الهجرتين وباب السعادتين

الكتاب الذي اقتنيه هو لمكتبة الإيمان، المنصورة، مِصر، الطبعة الأولى التي صدرت عام 1996م، مِن مطابع دار النصر للطباعة الإسلامية.

3. الكاتب

محمد ابن أبي بكر سعد بن جرير الزرعي المشهور بالإمام شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية.

4. شرح وتحقيق

شرَحَ وحقق النسخة الصادرة عن مكتبة الإيمان أبي علي مسلم الحسيني _ والذي لم أجد له تعريفاً أكيداً على الإنترنت _ وكتب لها مُقدمةً في 4 صفحات أوجز فيها الدرجات التي على المسلم أن يصعدها مِن مُحب مذنب إلى تائب ومستغفر ثم غيره من الدرجات. وأشاد بما قام به ابن قيم الجوزية من استعراضه لمقامات الصوفيين بمعانيها الأصلية وليست المُحرفة.

5. مقدمة كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين

يقول ابن قيم في أواخر مقدمته "فيا أيها القارئ له والناظر فيه، هذه بضاعةُ صاحبها المزجاةُ مَسُوقة إليك، وهذا فهمه وعقله معروض عليك، لك مغنمه، وعلى مؤلفه مغرمه" فماذا نقول نحن مِن بعدك يا إمامنا؟! يكاد أحدنا بعد القراءة لكم أنْ يكُفّ قلمه عن أي حرف خوفاً وخشية. ثم يُنهي المقدمة بقوله "وينفع به مؤلفه، وقارئه، وكاتبه، في الدنيا والآخرة" فلعلنا وإياكم مِنهم.

6. أقسام كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين

في أربعةٍ وستين فصلاً كان الكِتاب، ابتدأها بفصل "الله هو الغِنى المُطلق، والخلق فقراء إليه" وأنهاه بفصل "مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها".

يعتقد القارئ لأول وهلةٍ أنّ بين يديه كِتاب ديني، لكن في الحقيقة ما وجدته وإن كان كلاماً في الدين إلا أنّه أقرب لهدهدة الأم لطفلتها، وتربِيتُ أب على كتف ابنه، وكأن الكلام نصائح للعقل، وهمس للقلب، ومُشاركة الروح في البحث عن خالقها. ولو سُمح لي بتصنيف الكِتاب فهو مِن الكُتب المهمة للمراهقين واليافعين أكثر مِن كونه كِتاباً للبالغين، ليس لضعف لغته، بل لثراء محتواه بالأسئلة التي يطرحها أرباب هذا العمر.

فإن كانت أمراض هذا العصر تُلخَّص في:

· البحث عن المال

· البحث عن الشهوة

· الهروب من الحروب

فقد عالج الكتاب النفس والروح خلال صفحاته؛ يُدربها على تكوين القناعة التي يدخل بها صاحبها في قوله "سبعة يُظلهم الله بظله... وشاب نشأ في عبادة ربه".

وقد سار بنا الكاتب مِن تعريفه لأنواع أحكام الله:

· الديني، وهو ما يجب علينا التسليم به، ومُخالفتنا له تُخرجنا مِن الإسلام.

· الكوني القدري، وهو الذي ندفع به قدر الله بقدر الله، كالطاعون في زمن عمر بن الخطاب، وكأن يُصاب منزل أحدنا بحريق فيُطفئه بالماء وكلاهما الماء والنار مِن قدر الله، وكحالنا الآن مع كورونا (Covid_19)، فالوقاية مِنه هي دفع قدر الله وهو المرض بقدر الله وهو الاستطباب والحماية.

· القدري الكوني، وهو ما يقع للإنسان ولا يستطيع دفعه عن نفسه، ويُشير إلى أنّ الرضا به هو مِن تمام إيمان المرء.

وخلال تفصيلاته يسير بنا ابن القيم بشرح مُفصّلٍ، يكاد يخرج مِن بين الأسطر مُتسائلاً: "هل فهمت يا قارئ قصدي؟!" ثم تحاشياً أن يكون القارئ لم يستطع فهم بعض الأمور يضرب أمثلةً مِن الدين، وأبيات الشعراء، ففي ثنايا حديثه عن الرضا والتسليم يستشهد:

أُريد وصاله ويريد هجري... فأترك ما أريد لِمَا يُريد

هذا بين البشر في إذعان المُحب لحبيبه، أيّاً ما كان الخيار، ثم يقول فيما معناه: كيف وإن كان هذا أنت وربك، فترك المُحرمات طاعةً لمن تحب – وهو الله عز وجل – أَوْلَى.

ويضرب مثلاً في موضع آخر بقول أحدهم:

المحبة استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل مِن محبوبك.

وفي حديثه عن الغيرة يقول: "الغيرة مِن أوصاف المحبة، والغيرة تأبى إلا التستر والاختفاء، والمحبة لا تظهر على المحب بلسانه، ولكن بشمائله، ولا يفهم حقيقة المحبة سوى المحبوب؛ لموضع اقتداح الأسرار مِن القلوب"، ويستشهد:

تُشير فأدري ما تقول بطرفها.. وأطرق طرفي عند ذاك فتعلم

تَكَلَّم منا في الوجوه عيوننا، فنحن سكوت والهوى يتكلم

وخلال حديثه عن الحب والشوق يعرج بنا للتوبة وكيف أنّ الشيطان لص الإيمان لا يسرق إلا مِن بيت معمور، ثم تأتي توبة العبد على مرحلتين:

· محنة الألم أوّل التوبة، ألمُ فراق المحبوب والابتعاد عنه فترة الذنب.

· فرحة التوبة حال الثبات عليها والاستمرار في الابتعاد عن المعصية.

الإنسان خلال ذلك بين خوف ورجاء، وكيف أنّ الله قدّر الابتلاءات، والفتن لامتحان البشر وتصنيف مراتبهم، فمنهم ثابت على الحق مُقبل على محبوبه، ومنهم مَن يقع في منتصف الطريق أو قبيل الوصول.

ينتهي الكتاب بطبقات المكلفين، وقسمهم على ثمانية عشر قسماً، كل قسم له ثلاثة أقسام فرعية: الأعلى والأوسط، والأدنى. الصالح مع الصالح ورجل السوء مع رجل السوء.

خلاصة كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين

طريق الهجرتين وباب السعادتين، ثمّة شوق وبكاء بين ثنايا الكِتاب، ثَمّة روح تخرج من بين كل صفحة تُناديك أنْ هلمّ بنا نكون فيمن قال عنهم الله عز وجل على لسان نبيه: "أين المتحابّون بجلالي؟ اليوم أُظلّهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظليّ؟". كتاب يُخبرك عن أدب الهجرة: هجرة البشرية مِن دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن أرض يكون المسلم مُستضعفاً فيها إلى دار يستطيع أن يمارس حرية العبادة فيها. وهجرة الروح من ظُلُمات المعصية إلى نور التوبة والهداية، هجرة توبةٍ واتّباع. هجرة لا تقتصر على بني الإنس فقط، بل وحتى عالَم الجانّ. 

اقرأ للكاتب أيضاً

التداوي بالكتابة

عاشق على بحر حيفا

حين جمعنا نزار وفرقتنا أحلام

فلسطين الماضي والحاضر والمستقبل