اعترافٌ وأنصاف حقائق
(عاشقٌ على بحر حيفا)

** الخاتمة**

البلل في أوصالي يا فاطمتي، يُساءلوني "أكانت تستحق كل هذا الحب!؟" من كان يعلم أنّ القدر سيجعل دروبنا تتقاطع، إيييه يا فاطمتي، تُولدين على رمالٍ لم تكن يوماً وطناً لكِ في هويةٍ أو في جواز سفر، لتجعلي منكِ وطناً لي، جعلتِني عاشقاً يموت على حافة الشوق، مبللاً بالدموع، بالعرق، وبالدماء من كل مكانٍ. لم أكن أعلم أيهم الأسرع في موتي يا فاطمة، لكنّي وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة، أُشْهِدُ الله أني أحبه، وأحبّكِ وأحب القدس.


** المنتصف **

فاطمتي لو تعلمين الغصة في قلبي وأنا أكتب هذه الأسطر، طالما هي بين يديكِ الآن فقد عرفتِ الحقيقة.


فاطمتي كل ما أردتُ إخبارك به هو أنّكِ وطني، ولم أجد طريقةً تُثبتُ لك هذا إلا بما أقدمتُ عليه.


** البداية **

كانت ليلةً باردةً من ليالي الجبال في صنعاء، بينما أجلس في غرفتي على سطح منزلنا وإذ بنافذة الجيران تُضاء، كان صوتك مزعجاً جداً لقد ملئت الحيّ بكاءً، كنتِ عنيدةً جداً، كم تمنيتُ لو أنزل عن سطحنا إلى سطحكم لأُمسك الوسادة فأضعها على فمك، كل ما أردته وقتها هو أن يخمد صوتك، هل تعلمين أن حتى الكلاب قد كفت عن النباح في هذا اليوم ولم تصمتي أنتِ، حتى الكلاب نامت يا فاطمة ولم تنامي.


استيقظتُ صباحاً على صوت امي يناديني، أرادتني أن أذهب معها لزيارة بيت الجيران، تأففت كثيراً عندما علمتُ أننا سنقصد منزلكم، ألم يكفني الإزعاج الليلي لأستمع لهذا الصوت النشاز صباحاً أيضاً!


مرت الأيام سريعاً، محمّد لاعب فاطمة، محمد أين فاطمة، محمد رافق فاطمة، محمد لا يوجد لفاطمة إلا أنت، كم مرة أزلتُ الرمال عن وجهك وشعرك المجعد المنثور بفوضوية على ظهرك، لم تكوني مرتبةً أبداً، كانت الفوضى لا تملأ حياتك فقط، بل ملئتِ بها حياتي أيضاً.


لم أنتبه إلى جمال هذه الفوضى إلا بعد أن قرر والدك الرحيل باتجاه لبنان. لم أشعر إلا وأنا أُلملم أغراضي لألحق بوالدك أخبره عن عزمي على الذهاب معه إلى لبنان، "عمي أنا كرمال فاطمة بمشي ع الموت" وأمام بكائي بصوتٍ نشازٍ كصوتكِ تلك الليلة وافق والدك على إتمام الإجراءات لي والذهاب معكم.


منذ تلك اللحظة كنتِ ليلي، نهاري، وكل أيامي يا فاطمتي. بينما أنا! لا أعلم حقيقة مشاعرك تجاهي، كل ما أشعر به أني كنتُ عكازاً لك تستندين عليه وقت ضعفك، وتهشين به على من عاداك، كان يعجبني أنك تعتبريني أمنك حين يكسرك الآخرون.


هل تعلمين يا فاطمة أنّك كنت لي الماضي، الحاضر، والموت. لا تبتأسي يا جميلتي "وفكي ه البوز" لا يليق بهاتين الشفتين إلا الابتسام يا ابتسامتي، أعلم أني لو كنتُ عندكِ الآن لجعلتِ السقف يهبط عليّ، أو لربما بدأت بالبكاء بصوتك النشاز المحبب لقلبي يا مزعجتي الصغيرة، لكن ولأني لست عندك لن أثقل عليك بمزاحي الغليظ ككفيّ، أنتِ حبيبتي يا جميلة "منيح هيك" هيا امسحي الدمعات لا تجعليها تسقط على الورق لا تُميتيني مرةً أخرى يا حبيبتي، فأنا مِت غرقاً في حبك قبل أن أغرق في دمائي.


اكتب هذه الأسطر يا فاطمتي وأنا أتمنى أن أستعيد فيها كل ذكرى عشناها سوياً، كل اختباءٍ كنتِ تمسكيني فيه، بالمناسبة، كانت ابتسامتكِ عندما تكتشفين أني أختبئ في نفس المكان جميلةً لهذا كنتُ أعيد اختبائي في نفس المكان منتظراً ابتسامتُكِ وكلمة "غبي".


أوافقك الرأي يا فاطمتي، غبيّ أنا دائماً غبيّ لأني لم أستطع إسعادك وحمايتك كل الوقت، لكني الآن ومع رحيلي سأهبُ قلبكِ الوجع الأخير والحزن الأخير من طرفي على الأقل.


فاطمتي، مهرك أغلى من أن يكون حفنةً من مال، لهذا أردتُ أن يكون مهرك رمالاّ ذهبيةً من حيفا المحتلة، أو إطلاق سراح الأسرى من المعتقلات، لكن بما أنك تقرئين هذا، فمهرك دمي، لقد قال تعالى " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ" وأنت جنتي يا فاطمة وقد طلبتُك من الله، فهل تقبلين بي؟


محبك إلى آخر قطرة في دمه محمد الشمري ابن اليمن وابن الذاكرة الأولى بيننا.

** ما بعد الخاتمة **

سامحيني فاطمتي كُسرت قدمي، لم أقوَ على الوقوف لأحمل قلبكِ وأٌراقصه على رمال فلسطين المحتلة، جسدي وبينما ينزف وينزف، استنشق عطر فلسطين، عطركِ ياسمينتي، هل تعلمين أنّي حملت معي برتقالةً وأنا آتٍ إلى فلسطين، دائماً تقولين أني آكل طعامكِ لكن هذه المرة لم أنوِ أكلها، كنتُ أريدُ أن أزرعها لكِ هنا. آخر دفقةٍ من دمي، تخرجُ روحي، ويُزهرُ البرتقال.

** حقائق 1 **

محمد الشمري كان أحد أفراد فرقة دلال المغربي التي توجهت من لبنان إلى حيفا، غرق اثنان في بحر حيفا بسبب انقلاب القارب، نجح الباقون في الوصول، أثناء العملية استشهد الأغلبية وأُسر اثنان فقط.


** حقائق 2 **

محمد الشمري أحب فلسطينيةً تدعى فاطمة كان ينوي الزواج بها بعد العودة من العملية