وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (سورة الشعراء 224)، تُوضِّح هذه الآية كيف يمكن للحرف أن يقود أمّةً، أو أنْ يُصبح نَصْلاً قاتلاً. وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ثلاث كلماتٍ تَروي حكاية جيوشٍ تحرّكتْ وِفق هوى شاعر. وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ تضعنا أمام أنفسنا، لنُحاسبها على حرف تراقص في عقلنا، هل نتفوّه به أم لا. وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ تضع دستوراً لكلِّ الشعراء، دستوراً لحياة أمّةٍ إنْ سارت على نهج نبيها وإرْثه.

مقدّمة

بَدَأَتْ معركتي مع هذه الكلمات الثلاث وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ منذ كنتُ في 16 مِن عمري، خربشات عابرة في دفتر متروك على وسادة تُوَاجه بانشقاق البيت إلى نصفين ورغم أنّ هذا الانشقاق لم يَدُم طويلاً، إلا أنّ أول ما سمعته كان وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، لقد كانت حقاً كفّاً على القلب، وبدايةً لبحر من التساؤلات. الآن، وعلى أبواب عامي ال 37، أجدُ تلك الحكمة الضالة التي بحثتُ عنها بين صفحات التفاسير لأعوام، أجدها قَدراً في مُصافحةٍ عابرةٍ لمكتبةٍ لم تكن لي وفي كِتابٍ خارج نطاق اهتماماتي وهو كِتابُ دلائل الإعجاز للشيخ عبد القاهر النحوي، بتعليق محمود شاكر. لتخرُج لكم حكمتي هذه التي تعثرتُ بها على شكلِ مقالٍ بُناءً على طلب عبد الغني بطور للمزيد راجع التعليقات هنا.

وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ

* فضل الشعر

الشّاعر هو الناظم. وفي إطلالةٍ سريعةٍ على فاتحة المُصنِّف في مكانة العلم تجده قد بيّن فضل العلم، ومنزلة الشعر والنحو مِن إعجاز القرآن، وردّه على مَن يذم الشِعر. فإذا خَرجنا مِن هذا الفصل بخلاصة أنّ الشعر له منزلةٌ عظيمةٌ وأهمية كبيرةٌ فإنه ينتقل بنا لفصل الكلام في الشعر.

* الدِفاع عن الشِعر

الزهد في حِفظ الشعر وتعلمه قد يكون لثلاثة أسباب:

1. سُخْف ما في الشعر وما فيه مِن هجاءٍ وأكاذيب.

2. الزُهد في الشعر الموزون والانتقال لغير الموزون.

3. مُقارنة الشعر بأحوال شاعره وتركه.

وفي كل الأحوال السابقة يقول الكاتب لا يجبُ عليك ترك الشعر، فإن كانت الأولى فاترك الكلام أجمعه. وإن كانت الثانية فإنّ قولك للشعر الموزون هو ارتقاءٌ عن العامة، وإلا لقال كل الناس الشعر. وأمّا الثالثة فإن الله عز وجل قد نقل لنا كلام الكفار في أطهر التنزيل، فهل تتعالى أنت وترتفع بمكانتك عن الله عز وجل. بل حتى إن العلماء استشهدوا لغريب القرآن بأبيات شعر فيها فُحشٌ، لكن روتها العرب ببلاغةٍ، وفِعلهم هذا إنّما أرادوا به القول بأن حتى غريب القرآن هو من كلام العرب ولم يريدوا الفُحش لذاته.

* تفنيد ذم الشعر

صورة تعبيرية عن الكتابة

عندما ننظر لآية ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) نجد السابق واللاحق لها كالتالي:

(أفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ۲۰٥ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ۲۰٦ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ۲۰٧ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ۲۰۸ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ۲۰۹ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ۲۱۰ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ۲۱۱ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ۲۱۲ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ۲۱۳ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ۲۱٤ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۲۱٥ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ۲۱٦ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۲۱٧ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۲۱۸ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ۲۱۹ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۲۲۰ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ۲۲۱ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ۲۲۲ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ۲۲۳ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۲۲٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۲۲٥ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ۲۲٦ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ۲۲٧ ).

تُظْهِرُ الآياتُ:

1. تنزيهاً للقرآن عن أن يكون قول شيطان.

2. تفنيداً للشعراء وأنواعهم.

3. إعلاءً لمكانة المؤمنين من الشعراء.

وكأنّ آية ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) إن أتت بمفردها كانت كقوله تعالى ( فويل للمصلين ) ليس في المعنى، وإنما في المفهوم الخاطئ الذي قد يوصله اقتطاع الآية عمّا حولها من آيات. وبالتالي فإن آية ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) يمكننا أخذها على محمل حثِّ الصالحين ممن آتاهم الله الفصاحة والبيان على أنْ يدخلوا مجال الشِعر بما أُوتُوا مِن فواتح الكلم. وكأنّهم في ذلك دخلوا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت رضي الله عنه "قُل وروح القدس معك".

ويقول الكاتبُ مستنكراً على مَن يذم الشعر: " نعم، وكيف رَوَيْت: لأنْ يمتلئ جوف أحدكم قيحاً فَيَرِيه، خيرٌ له من أنْ يمتلئ شِعراً وتركت قوله صلى الله عليه وسلم: إنّ مِن البيان سِحراً، وإنّ مِن الشعر حُكْماً". ثم يبدأ في تفصيل أحواله عليه الصلاة والسلام في الاستماع للشعر من راويه، وإجازة بعض المشركين عليه، كما أجاز قائل قصيدة بانت سعاد، وفي استنشاده الشعر من أبي بكرٍ وكعبٍ وحسان رضوان الله عليهم أجمعين. وكيف استوقف حسان حين قرأ عليه أشعار في ذم أحد المشركين فلم يُجزه فقال له ولِمَ يا رسول الله؟، قال لقد دافع عني عند ملك الروم حين هجتني قريش. واستفساره من النابغة الجعدي حين قال: بلغنا السماء، مجدُنا وجدودنا وإنّا لنرجو فوق ذلك مُظْهرا. فقال عليه السلام: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: الجنة يا رسول الله. وللمزيد من التفاصيل في هذه النقاط يمكن الرجوع للكتاب.

أمثلة من الحياة العملية على أثر الشعر في الثورات

* ثورة الزنوج

في مقالٍ للكاتب أحمد خضر أبو اسماعيل بعنوان (الزنوجة، عليك أن تتعلم كيف تكون حركة المقاومة بالكتابة) أظهر أثر الشِعر على تحريك العامة وجعلهم يثورون من أجل التحرر والخروج من سيطرت الرجل الأبيض وهيمنته ورؤيته للرجل الأسود بدونية.

* استقلال البوسنة

علي عزت بيجوفيتش، وهل يجهل أحد مِنّا هذا الاسم، يعرف كثير منا بيجوفيتش على أنّه أول رؤساء البوسنة بعد حرب البلقان، لكن ما لا يعرفه الكثيرون أنّه أحد أشهر شعراء البوسنة. لم يخرج لنا مِن كتاباته إلا الإسلام بين الشرق والغرب وليس كتاباً شِعريّاً، بل تجميع فكري لما آمن به بيجوفيتش، ورؤية عامّة للوضع آنذاك.

أما لو رجعنا للوراء قليلاً فسنجد الشاعر محمد ديزيدار ( Mehmed Alija Dizdar)، وإن كان الشاعر من مواليد يوغسلافيا عام 1917، إلا أنّ أصوله تعود للبشناق. هذا الأمر عزز ثورته الشعرية ودفاعه عن اللغة البوسنية، وبقي يُحارب من أجلها ويُعتبر أحد روّاد الأدب البوسني بل من أوائل مؤسسيه. وهناك الشاعر عزت ساريليتش (Izet Sarajlić)، من مواليد 1930 تأثرت كتاباته كثيراً بالحروب، وله العديد من الأعمال الأدبية المطبوعة.

بعض أشعار عزت ساريليتش Izet Sarajlić

من الأمثلة البسيطة السابقة رأينا كيف أن الشعر في العصر الحديث أثّر على نهضات شعوب وتغيير مصائر العديد من البشر. لكن هل تكون كل الحركات دائماً إيجابية؟! وبينما يحدوا الشاعر البشر بكلماته في اتجاه الحق والصواب هل يمكن أنْ يحدوهم في الاتجاه المعاكس وهل ظهر بالفعل تصديق قوله تعالى ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ )؟!

* الحرب على البوسنة وتَصْديق آية وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ

رادوفان كاردتش (Радован Караџић) أحد أشهر شعراء البوسنة والهرسك، صربي الأصل، حُوكم كمجرم حرب في محاكم يوغسلافيا التابعة للأمم المتحدة. كان رادوفان طبيباً وشاعراً، لكن، كان لتشدده القومي أثر سيء في سحب الجمهور الصربي عبر أشعاره لمُعاداة مسلمي البوسنة. ثم استغل منصبه ومكانته وقوّة كلمته في جر الجميع لحرب ضروس، وترك آلاف القلوب المكلومة نتيجة مجازره التي قام بها.

الخلاصة

الشعر يحتوي على النواحي الإيجابية والسلبية، وهو حادي الأرواح إما للسلامة أو التهلكة، وهنا يظهر الفرق بين وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ وبين إلا الذين آمنوا كل ما عليكَ كأديب أو شاعر هو أن تتخذ موقفك، وتَزِن كلماتك، ثم تقولها.

ولربما تكون عند الله كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما نسي ربُّك وما كان ربُّك نسيَّاً شِعراً قُلْتَه" فقال كعب: "وما هو يا رسول الله؟!" قال عليه السلام أنشده يا أبا بكر، فقال أبو بكر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين: "زعمت سخينة أن ستَغْلِبُ ربَّها    وليُغْلَبنّ، مُغالب الغلاب".

وللفكاهة فإن سخينة نوع من الأكل صنعته قريش ذات فاقة، فعيرها كعب به وقال زعم من يأكلون السخينة أنّهم سيغلبون ربَّهم، والغلبة لله. فبقي البيت محفوظاً لدى الرحمن في عليائه وجزى به كعب بن زهير خيراً وبُشر بالخير على لسان النبي عليه السلام. وأنت؟! هل لك دلو في الشعر؟! وهل هو في ميزان حساناتك؟! وهل أنت من الذين استثناهم الرحمن أم أنك مِن وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ؟!

ملاحظة: لم يُكتب هذا المقال لغرض أدبي أو شعري أو موسوعي أو للنقاش المختلف كمناقشة الكتاب أو ما ورد فيه. لكن وُضِع في السير الشخصية ونشر بناءً على ما ذُكِر سابقاً. إن أحسنتُ فمن الله وإن وجدتم ما لا يُعجبكم فعليكم بعبد الغني فهو من أشار عليّ بالنشر.

يمكنك القراءة أيضاً:

حين جمعنا نزار وفرقتنا أحلام

التداوي بالكتابة

تل أبيب أسرار وحقائق

الربح من الإنترنت


كما  ويمكنك التسجيل في رقيم من هنا