الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وكذا أبو داود في سننه وابن ماجه وغيرهم بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

«يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَان -وفي رواية- كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، فَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَأَمَانَاتُهُمْ - وفي رواية- قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا حَتَى صَارُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، فقال عبد الله بن عمرو: كَيْفَ تأمرني يَا رَسُولَ اللَّهِ -وفي رواية- قال الصحابة: وكيف بنا يا رسول الله؟ فقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَعَلَيْكُم بِأَمْر خَاصَّتِكُمْ، وَدَعُوا عَنْكُمْ أَمْرَ عَامَّتِكُم».


هذا حديث كاشف، يكشف لك عن الزمان الذي نحياه وسوف نحياه، لأن ما زال الزمان يتقارب، ولا يزال الخلق في تناقص، وما زمان يمر إلا والذي بعده شر منه، حتى تقوم الساعة على شرار الخلق، فهذا الحديث جليل يصف فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زمانًا بمنتهى الدقة بل في غاية الدقة، لكي تعلم مدى ابتعاد الخلق عن الحق سبحانه وتعالى، وكيف يكون الوضع والواقع حينما يترك الناس العهود مع الله والأمانات مع الناس.

فهذا الحديث ذو معانٍ مغرقة ، وعباراتٍ شيّقة، رغم أنه قصير المباني إلا أنه عظيم المعاني، والعبد المؤمن حينما يستمع لحديث النبي صلوات ربي وسلامه عليه لا يبقى حيرانًا، وهذا مما عوَّدنا عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لأنه يتكلم في المسائل الفصل بكلام فصل، وفي الأمور العظام بكلام عظيم، يوجز لك المطلوب وزيادة، بحيث لا يُستشكل عليك أمر، فالأمر قد وضح؛ ، لذا وصف هذا الزمان وكيف صار أهله إذ ضَربَهم ما ضَربَهم من الأمراض، أمراض فتكت بهم، حتى وصفهم أنهم حُثالة المجتمع، وكلمة حُثالة تعبير نبوي رائع.

مما جعل عبد الله بن عمرو يفعل فعلة لها دلالة عظيمة في الحديث، ألا وهي يقول في رواية أخرى: فقمتُ إليه، وأقبلتُ عليه وقلتُ: فداك أبي وأمي يا رسول الله، ماذا تأمرني؟
تامل قوله "فقمتُ إليه" ونحن نعلم أن إجلال الصحابة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة في مجالس العلم حيث يقول قائلُهم وهو يصف حالهم، وكأننا على رؤوسنا الطير، أي لا يستطع أحد أن يُبصبِص بعينيه ولا يلتفت يمينًا ولا يسارًا، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحدث ، فكيف بعبد الله بن عمرو يقول: فقمتُ إليه وأقبلت عليه، كيف يفعل هذه الفعلة، التي لا تصدر من آحاد الصحابة، ولا من كبار الصحابة، يقوم من المجلس، فيُقدم على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقول: ماذا تأمرني إن أدركني هذا الزمان الكئيب؟ هذا يدل على فدَاحة الخطب، وأن الأمر جلل، مما جعل الحُر لا يستطيع أن يصبر أن يحيا هذا الزمان، كيف أحيا في زمانٍ اختلطت فيه الأمور، نعيش مع حثالة الناس، هذا يذكرني ببيت لبيد الذي تمثلت به أمنا عائشة رضي الله عنها الطاهرة المطهرة بعد وفاة رسول الله :

ذهبَ الذينَ يعاشُ في أكنافهمْ *** وبَقيتُ في خَلْفٍ كجِلدِ الأجرَبِ

فكيف تصف هذا الزمان الذي نحياه، إذا كان الزمان بعد موت رسول الله زمان مجرب، انظر!

فالحديث رائع، لا يترك لك أن تسأل بعده؛ ماذا أفعل؟ فقد بيَّنَ لك بشاعة الزمان، ثم رسم لك طريق الخروج الآمن منه، فيصف ويشخص لك الداء، ولا يتركك بل يجيبك الجواب الحكيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يقول الأصوليون: أن جواب الحكيم هو أن يجيبك بما تريد وفوق ما تريد، فأعطاك تشخيص الداء ثم رسم لك الدواء، فما هو؟ قال: عليكم بما تعرفون، وذروا ما تُنكرون، وأقبلوا على أمر خاصتكم، ودعوا أمر عامتكم، كلام واضح.

المرض ودواؤه، المشكلة وحلُّها، لذا حينما يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«يوشك» من ألف وأربعمائة سنة وأكثر، فقد أوشك، وهذا تعبير قرآني بديع، القرآن دائمًا ما يُعبر عن المستقبل بالماضي، فيقول ربُنا تبارك وتعالى كما في صدر سورة النحل: { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } يحدثنا عن القيامة، عن الساعة، هل هي أتت؟! لا لم تأتِ بعد، ولكن هذا يدل على حتمية وقوعها وحدوثها، فحينما يحدثك عن المستقبل بالماضي، هذا فيه دلالة واضحة لتأكيد وقوع هذا الذي سوف يحدث في المستقبل، ويعدونه علماء الحديث هذا الحديث من نبوءاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه لم يرَ هذا الزمان، ولكنه يحكي عنه، مما يدل على نبوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى صدقه وأنه رسول من رب العالمين، سيد الأولين والآخرين صلوات ربي وسلامه عليه.

لذا حينما تتأمل فقه أصحاب الحديث، أورده الإمام أحمد في أشراط الساعة وفي أحاديث الفتن، وأبو داود في الفتن والملاحم، مما يقول لك أن هذا سيحدث قبل وقوع الساعة، يعني هذا اقتراب الساعة، حينما ترى هؤلاء الأصناف الحثالة من الناس فاعلم أن الساعة مُقبلة غير مُدبرة، فيقول: «يوشك» أي اقترب «أن يأتي على الناس زمان يُغربلون فيه غربلة»، أوتي جوامع الكلم صلوات ربي وسلامه عليه، ويكلم الناس بما يفهمون ويعطيهم أمثلة مما يفعلون دائمًا، ما الذي يحتاجه الذي يريد أن يأكل الطعام الطيب؟! يحتاج إلى أن يغربله، فأكثر بيوتات المسلمين في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يستخدمون المُنخل ـ الغربال ـ تعلمون الغربال؟، هذه آلة من قديم، كان أجدادنا يستخدمونها في بيوتهم إلى عهد قريب، يغربلون بها الشعير وغيره، فهذا الغربال استخدمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعبيرًا عن غربلة الناس، أي أن الناس جميعًا في هذا المنخل، طيبهم وخبيثهم، فتأتي الفتن فتهزهم هزًّا شديدًا، فيسقط الخبيث ويبقى الطيب، وأما الزبد فيذهب جفاءًا لا قيمة له ولا ينتفع به الناس، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، قال القرطبي: وفي هذا كناية عن: رحيل الأبرار وبقاء الأشرار، هذا يدل على رحيل الأخيار وبقاء الفجار، لذا فقال: «يغربَل الناس فيه غربلة»، فتخيَّل؛ هذا باب الفتن الأكبر، حينما تأتي الأزمات وتأتي الفتن العظام التي يكون الإنسان فيها حيرانًا لا بد من وجود الدروس والآيات، وهي التي تعرفك الغث من الثمين، والصالح من الطالح والظالم من المظلوم، لذا تعبير الغربلة تعبير في منتهى الدقة.

فإذا ما أريد للحَب أن يُفصل عن قشره، يضعونه في الغربال، تريد أن تفصل أي شيء عما سوف تنتفع به وما لا تنتفع به ضعه على الغربال، كذلك الفتن حينما تأتي لها فوائد؛ تُغربِل لنا الناس ليتضح لكل ذي عينين مَن المُفسد ومَن المصلح؟ مَن الذي سوف يبقى ومَن الذي سوف يزول؟ هنا عبَّر الحديث بالعكس، لم يعبر عن بقاء الأخيار، وعن بقاء ما ينفع الناس، وإنما عبر بالعكس، عبر عن بقاء الحثالة، فتبقى حثالة من الناس، انظر مع أن لفظة الحثالة تستخدم في كل ما هو رديء من السلع والمأكولات، هنا استخدمها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الناس، لذا يقول النووي: والحثالة هي الرديء من كل شيء، فمن الحَبِ قشره، ومن الزرع عوده، ومن الناس أسوأهم أخلاقًا، الذين ليس لهم أخلاق، الذين ليس لهم نفع، لا خير فيهم البتة، لا ينتفع بهم الخلق بل هم عالة وحثالة على الخلق. 

فالذي سوف يبقى حثالة من الناس، والحثالة كُثر في هذا الزمان، عبر عنهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصفتين كبيرتين، أول صفة: "قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ" هؤلاء الحثالة الذين يعيشون كالأنعام والبهائم لأنفسهم فقط لا ينتفع بهم الخلق، أول صفة يتضح لك من خلالها أنهم حثالة؛ هي نقض العهود، وأصل المروج : مروج الشيء أي اختلاطه واختلافه واضطرابه وعدم استقراره، منه قوله تبارك وتعالى في سورة ق {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ } [ق:5] أي مضطرب، غير مستقر، تارة يقولون على القرآن: سحر، وتارة يقولون: شعر، لا يثبتون على أمر واحد، فالمروج هو ما نحياه الآن ، لا تكاد ترى بعينيك إنسان على عقيدة واحدة ولا على مبدأ واحد ولا على طريق واحد، وإنما تراه بكل وجه كما قال الشاعر:

يومًا يمانِ إذا لاقيتَ ذا يمنٍ *** وإن لقيتَ معديًّا فعدناني

يجري حسب ما تجري الريح، أي: مع مَن يُصادف، وهذا يعني: أنه لا مبدأ له.

وللحديث بقيَّة بإذن رب البريَّة سبحانه وتعالى..