الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وكذا أبو داود في سننه وابن ماجه وغيرهم بسند صحيح وقد صححه الشيخ الألباني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

«يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَان -وفي رواية- كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، فَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَأَمَانَاتُهُمْ - وفي رواية- قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا حَتَى صَارُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، فقال عبد الله بن عمرو: كَيْفَ تأمرني يَا رَسُولَ اللَّهِ -وفي رواية- قال الصحابة: وكيف بنا يا رسول الله؟ فقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَعَلَيْكُم بِأَمْر خَاصَّتِكُمْ، وَدَعُوا عَنْكُمْ أَمْرَ عَامَّتِكُم».

وقفنا في المقال السابق عند قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ" ، وتكلمنا عن المروج ونقض العهود.

ثم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ".

إشارة واضحة على ضياع الأمانة، وأن هؤلاء الحثالة من الناس لا أمانة لهم، وأصل الأمانة هي أمانة الدين، فأصل ما تؤتمن عليه هو دين الله تبارك وتعالى، قال الله عز وجل: { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }[ الأحزاب :72] فخفت الأمانات، لم يُعد هناك أحد يؤدي الأمانة، لا يؤدي أمانة الله، ولا يؤدي أمانة رسول الله، ولا يؤدي أمانة الأخوَّة في الله، ولا يؤدي أمانة البيع والشراء، ولا يؤدي الأمانة على الزوجة، ولا الأمانة على الأولاد ، ولا الأمانة على المال، ولا الأمانة على الأخلاق، وهذا يذكرني بحديث مُرعب: حديث حذيفة رضي الله عنه وأرضاه الذي قال فيه حدثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا على أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، الأمانة هي الدين، الأمانة هي الإيمان، الإيمان نزل في جذر قلوب الرجال، وجذر الشيء هو أصله، فأصل العبد قلبه، وعبد بدون قلب، لا حياة فيه.
حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، هذا هو الحديث الأول.


قال ثم حدثنا عن رفعها، قال: ينام الرجل النومة، المقصود بالنوم الغفلة، يغفل عن حمل الأمانة، يغفل عن حمل إيصال الدين للعالمين، يغفل عن المسؤوليات المنوطة به، فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، لا يستحق مثل هذا أن يحمل أمانة الله، فتنزع من قلبه، حتى يكون أثرها كأثر الوكت، والوكت هو الأثر اليسير من الحرق، عود كبريت وأشعلته هذا وكت، ثم ينام الرجل النومة، فتُقبض الأمانة من قلبه، حتى يكون أثرها كأثر المَجل، والمَجل هو جمر وضعته على جلدك، انظر الفرق بين عود الكبريت والجمرة! كأثر المجل كجمر دحرجته على رجلك، يا يكون أثر واحد في منطقة واحدة، وإنما آثار كأثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فَنَفِطَ ، أي انتفخ، فتراه منتبرًا، مليء بالماء، وليس فيه شيء، انتفاخ على فارغ، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يُقال: أن في بني فلان رجلًا أمينًا لقلة الأمناء صاروا عُملة نادرة، في البلاد الفلانية يوجد واحد أمين، ويقول الناس للرجل ما أعقله وما أظرفه، وما أجمله، وليس في قلبه حبة خردل من إيمان هذه هي السنوات الخداعة التي نعيش فيها، التي يُكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، التافهين الآن يتحدثون في دين الله تبارك وتعالى..


بعد هذا المروج الذي نحياه، ونقض العهود وتضييع الأمانات، ماذا تنتظرون؟

إما أن تخرج من هذا الوضع المضني بخروج آمن، تأمن فيه على إيمانك وإسلامك وعقيدتك، ثم بعد ذلك تأمن على آخرتك، وإما تبقى في هذا الوضع فتكون من حثالة الناس، أعاذني الله وإياك من هذا التشبيه، فماذا أنت فاعل؟
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يترك أحدًا يتعب في رسم طريق الخروج الآمن، لم يقل : كل واحد يرى الحل المناسب له، لا، وإنما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خذوا ما تعرفون» مِن ماذَا؟ من الأمور التي لم يختلف فيها اثنان، من التي لا يدع الشرع فيها لأحد رأي ولا اجتهاد ولا مجال، «فخذوا ما تعرفون» وأصل المعرفة هي معرفة الله، والقرآن هو كتاب المعرفة الأول، لماذا تدعونه؟ لماذا لم تقبلوا عليه، لماذا لا تنظروا فيه كحل لجميع مشاكلكم التي تحيونها الآن، اقتصادية، اجتماعية، سياسية، تعليمية، إعلامية، علاجية، قال سبحانه: { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ }[الأنعام] هذا ما نعرفه، سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها كل شيء ، فهي الشارحة للقرآن الكريم، شرحت لك كل شيء، لماذا لم تقبل على سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } [الحشر:7] خذوا ما جاء به الأولون «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» عليكم بالضرب الأول تمسكوا بالرعيل الأول، لا تنحدروا يمينًا ولا يسارًا، اثبتوا على ما أنتم عليه، هذا هو الحل.


ثم بعد ما أخذنا ما نعرف، ماذا نفعل؟
«عليكم بأمر خاصتكم» في هذه العبارة أو الكلمة تفسيران: التفسير الأول وهو : أن عليكم بخواص الناس، خواص المؤمنين، خواص العلماء، هذا تفسير أظنه بعيدًا، ولكن بعضهم قاله.
التفسير الثاني الأقرب للمعنى: عليكم بأمر خاصتكم أي عليك بخاصة نفسك، لا تُكلَّف إلا نفسك، هذا يعضده ويقويه حديث حذيفة الذي سأل فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كان الناس يسألون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني» في آخر هذا الحديث الكبير الرائع، قال: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة، لا يوجد إمام ولا خليفة للمسلمين ولا لهم جماعة، كل حزب بما لديهم فرحون، تفرقوا شيعًا، ماذا نعمل في وقت التفرق و الاختلاف؟ قال: «أن تعتزل كل هذه الفرق، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك» لماذا أصل شجرة؟ الأصل ثابث لا يتغير بتغير الوقت ،يعني اثبت على ما أنت عليه من الحق ولو كنت وحدك.
ثم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «ودعوا عنكم أمر عامتكم» وهذه هي المصيبة الكبرى، وأختم بها، وهي أن الناس ينظرون إلى الكثرة والجماهير الغفيرة، ويقولون عامة الناس يفعلون كذا، عامة الناس يُحلِّون كذا، عامة الناس يعتقدون كذا.
قال الله: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } [الأنعام:116] { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف:103] { وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ } [آل عمران:110] { وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [المائدة:103] الأكثرية في القرآن مذمومة على الإجماع، لا يوجد كثرة إلا في موضع واحد { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } [التوبة:25] ماذا فعلت الكثرة يوم حنين؟ لم تفعل شيء، أما في المقابل، { إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } [ص:24] { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [سبأ:13] { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ } [البقرة:249]. 


هؤلاء القلة هم الغرباء، الذين قال فيهم سيد الأنبياء صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طوبى للغرباء» قيل: ومَن هم يا رسول الله، قال: «الذين يصلحون ما أفسد الناس وفي رواية: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» وفي رواية: «الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي».
ويأتي النبي وليس معه أحد! هل هذا عيب في النبي حاشا، هذا وحي، العيب في حُثالة الناس الذين أُرسِل إليهم النبي ولم يؤمنوا به، إذن فالقلة دائمًا محمودة في القرآن، والكثرة مذمومة..

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من القليل الشاكر ..