في الحقيقة.. فإن للحنين قوة أبعد عمقا وأسد هدفا لو استخدمه العاقل وتفكر في عوامله..فكم دفع الحنين الجامد الراكد إلى معترك الحياة..دفعه أعزلا وليس معه آلة إلا إشعاعات تنعكس من طرفي الحنين..فكم أحيى الحنين موتى القلوب وبعثهم وحشرهم...وكم كسا الحنين عراة القلوب وألبسهم غلالة القوة الخارقة..وكم أوقف الحنين مد اليأس وظل حارسا في بوابة القلب حتى لا يتوغل الحزن بجنوده ويهتز عرش الأشواق..

أهو الحنين الذي ينجب بنات الفكر حين يعقم البدن ويعتل ..أهو الذي ينشأ في الروح عالما من الخيال..أهو الذي يطرب السجين حتى لا يتألم من ضربات الكرباج ولا يتحسس قسوة الجلاد..فالحنين وحي لا ينزل إلا على الذين يتشبثون بقش الأمل ويتضرعون في محراب الحياة بدموع السعادة العالقة بأهدابهم رغم عواصف المحن...أهو الذي يرسم خريطة الحياة دون المظلومين..وبتسم لهم بثنايا الحب..أهو الذي يلح على المرء ويجتث منه وحشة الجمود حتى لا يفتقد العزة التي نالها بعد إجهاد كبير ولا يبيع كرامته التي شرفته بعد أن خاض معارك دامية في متن الحياة..

فمنطلقات الحنين كثيرة...تثيرك دهشة وانبهارا..تسحر عيونك وتخطف بصرك..ولكم وجد الشباب سلوتهم في الحنين واستمدوا من هالته القوة والتمكين..ولكم أمطر الحنين وأجاد غيثا وصيبا..ولكم عمر الوجود بهجة وملأ الكؤوس نشوة..ولكم هوي الفناء في صدر الماضي ليستنشق من أعماقه أريج المستقبل..

يا للحنين حين يربت على ناصيتك ويقبل خديك ويعانقك بشدة..تسمو أنت من هوة الجمود إلى فوهة البركان الملتهبة..تحوم حولك طيور بأجنحة الأمل..

وتعنو لك الجبال..فأنت القوي..بيدك السلاح...اعلم فإن"معالم الحنين لا تمحوها تيارات السنين حتى الجنين مرهون بحنينه وحتى السجين مأمون في حنينه"لأن الحنين هو التفكير النزيه..هو الجوهر المصقول الذي لا يتسخ بالتصنع.. ولا يرسف بالقيود..الذي يملأ القلب باليقين ويقود العقل نحو آفاق فساح...الذي يهمس في مسمع الكون بسملات الشمس من جديد..ويرتل للعالمين بأن الصبح سوف يعود..وأن الحزن يكاد يتلاشى في زحف الحنين المنتصر...وأن جيوشه ستكبح جماح التعب وتقيم على أنقاضه قصورا من الزمرد..

وكأن الحنين مؤذن الحياة والحراك.. لهو زغاريد الطيور الصادحة...لهو نبضة القلوب الخفاقة...لهو الخيط الذي يربط الجوارح مع الوجود..وهو الماء الذي يروي العروق بري الحياة..وهو الذي يجمع العظام وهي رميم..وهو الذي يطلي جدران الزمان بشمع الحنان...