الحنين..حيث النشوة والإلهام.. حيث الرقص والغناء..حيث الرؤوس التي لا تفيق..حيث الكؤوس التي لا تفرغ.. حيث القيثارة والناي..حيث العواطف تبسط جناحها وتحمي سلاحها..حيث لا محل لقلق وضيق..ولا صوت سوى همسات من الحب والغرام الخالد..

صور الحنين جميلة وإن سترتها ملاءة الأشواك..وهي ناعمة الأطراف وإن تجهمت وتفحمت ألوانها..

من منا لا يداعبه الحنين ولا يهيجه مهد الذكريات ولا تؤنسه ربوع الأحلام..ولا تتملى في براءة الأشواق ولا تطوف حول مسجد الغرام..

..من منا لا ينام على الحلم الذي زاره طيفا وأسر إليه نجوى مقدسا..من منا لا يهزه ذكر التمرد البسيط وهو صغير السن..عنيدا عند أبيه وأمه..

من منا لا يحلو له هواجس الأيام الماضية. ولا تذيبه ولا تزيده نشوة المراحل التي عبرت عليها طفولته وشبابه..واختمرت لأجلها ليلته..

من منا لا ينفض غبار النسيان الذي التف بقلبنا ليظلم علينا أيام الحب والهوى ويكسف شمسنا ويقصف رأسنا..

من الذي لا يرقص نشوانا جذلانا والحنين ينغرز في مفاصله وأوصاله..ويسري رويدا في رئته وشرايينه..وينتشر في دمائه وعروقه..

من الذي لا يقشعر وقد عاد من غربته الروحية إلى أرض حوت أروع ذكرياته واحتضنت ماضيه الباسم..أليست الفطرة أن تعشق الروح مسقط رأسها..وتسكب دمعة في حجر حياتها...

أو تهتز الروح لهفة وقد رأت ليلة السكون تغمر تلال واديها..وتغطي آفاق سمائها..أليس الحنين مجموعة من الآيات الكونية والإشارات الفطرية..

من الذي يتهرب من ذكريات القرية التي ربته وضمته ورضعته..أمن الممكن أن يفلت المرء من سطوة الشوارع والحارات التي تملأ فيه وجدا وتشوقا...وتدعوه من قرب ومن كثب..أليس مهزوما مكسورا حتى تطرد أطياف الأطلال التي تحبك فيه أساطير الخيال..أليس من الجور أن يدوس الرجل سنابل أثره وحصاد سنينه..

وهل ينسى الرجل تاريخه حتى لا يأبه به فيبقى صخرة صماء..لا حركة ولا وجود..لا سمع ولا أبصار..

من الذي لا ينفعل عند ذكر الحنين وفروعه..ولا يتحرك ولا ينتشي إذ يخوض في لجة الذكريات الحلوى ويفك قيدها..من الذي لا يبتسم وهو يجتر من زبالة الماضي ما يروق لذاكرته ويذوق لفمه..ويمتص من الألياف ويعصرها عصرا لتكون له الرحيق...

من الذي لا يتفيأ في ظلال الذكريات الوادعة وإن كدمته ظلمات الحياة التي لا ترحم... وإن صدعته مناشير الأحزان وركلته أقدام الهموم..وكأن المرء رهين بحنينه..مسجون بين ذراعيه.. دائما يحث خطاه إلى السكون..ويقتبس من قبلة الحنين أنوارا لتشق مسافة الأميال...

من الذي يعفر ماضيه بالتراب ويرغم نفسه لمحو ذاكرته المارة بقلبه..أليس مستحيلا أن ترى الرجل وليس في أحداقه لمحة عن الأحداث التي جرت بالأمس القريب..

الحنين لا يعرف القيود ولا ينحصر فوق البنود..حر في منطقه..شامخ في مبدئه..

فذا الحنين يرمم الأحلام المهترئة..عزمه لا يفل وإصراره لا يشل ولا يكد يضمحل..لأنه تعبيرات من عمق الوجدان الذي يخرج من قاع الصدر.. كأنه عصارة الأفكار المصطرعة في داخل الإنسان..

يحمل معاني الحياة الخفية ويواصل مشوارها حيث لا سور ولا تخوم... يتصدى الزمان بكبرياءه وسذاجته حتى يرفع رايته ويبلغ منيته..

كيف فإنه لم يركب الحنين رأس رجل إلا جعله أسير الاهتياج والارتعاش..محاصرا بالهزة القلبية والرعدة التي تبعث في أوصاله حياة جديدة..مصابا بالانفتاح الداخلي..ليس عليه بادرة ضعف أو خور..

فكل من أطل من نافذة قلبه وجد كبد الحقيقة فرأى ما لا عين رأت..تبدت في زجاجة روحه صور من الشوق الملتاع الذي لا يذوب ولا يذهب..ولا يتزبد ولا يتجمد..وظهرت في جوانحه وأحشائه ملامح رسمتها الذكريات ولونتها الأشواق بريشة الآمال والأماني.. لأن نوافذ القلوب لا يغلقها إلا من تلبدت روحه بالظلام والقسوة..لا يغلقها إلا الذي فقد حلمه وذبلت زهرته وهو في غفلة من الغفلات..