حياتنا في الدنيا لا تختلف عن المناظر المتنوعة التي تتجلى في متن الحافلة..تلوح في مقاعدها المهترئة ريشة الخالق المبدع سبحانه.. سائق يسوق حفنة من الرجال والنساء وقلوبهم شتى..ونواياهم لا تجتمع في نقطة واحدة

بين شجي وخلي ومرتبك..بين شباب يصخبون وشيوخ بسطاء يظهرون أسنانهم المنكسرة..بين يتامى يتسولون وأطفال يمرحون..بين فتيات سافرات يتعجرفن ويختبلن من الكبرياء...ومحجبات وراءها شيم الأدب والاحتشام...

نستلهم من حنايا تلك المسرحيات الساذجة صور تليق بزي حياتنا ونختار منها ألوانا نصبغ بها جدران مصيرنا..جدران انقضت على أصحابها وانهارت بعد أن خارت قواها..

لشد ما أشبه الإنسان بوجوه المسافرين في الحافلة .نظرته وفكرته ورؤيته..كلها لا تخرج من نطاق مسافريها..فيهم من يضطرب متوترا عن أمور دراساته وامتحاناته التي خيبت ظنه وقلبت أمله راسا على عقب..وهل تخلو الحياة من الامتحانات التي هي لأجلها نضدت ورتبت..يرسب فيها من شاء الله ليرسب وينجح حسب إرادته..

وفيهم من ركب همه معارج عائلته وأولاده..يتفكر عن المرتب الذي يفوق خياله فيسعد به أولاده..يقدم لهم هدايا فخمة وحوافز أخرى وزيادة..ربما تتبلور خاطرته فيتحقق أمله الكبير الذي وارى بين جنبي قلبه..

الحياة حافلة..تحث سيرها وتتلكأ أحيانا..وتنتظر الآخر وتفلت أخرى..محطات ومواقف...تتبدل من شيء إلى آخر..وعبر نوافذها الزجاجية التي سيطرت عليها آثار الضباب تجلو في الأفق مظاهر البشرية المتعددة..صورة الفلاح التي يكدح في أرضه وهو يتفصد عرقا..وجبينه الذي أعيى التعب والانكسار...ووجهه الذي يلمع بقسمات العزة والإصرار..صور تكمن وراءها آلاف من الطلاسم..وصورة الأكواخ الآيلة للسقوط..في صحنها أولاد يلعبون وفي ردهتها عجوز في حجرها الحفيدة الجميلة...

ففي باصات القاهرة ما تفوق تلك المناظر والنوادر...فيها من يبيع الحلويات وينادي بأعلى صوته..وفيها من يوزع بطاقة الأذكار ويسأل جنيهة أو نصفها..فيها ما فيها..من الثقوب والشقوق..