امرأة سمراء اللون قمراء العين في خمسينها.. تجلس على واجهة مسجد عباد الرحمن ... لا تملك سوى عين تظهر ما تخفق في قلبها من الأسى والشجن..ولا في حوزتها ما تسحر بها الناظرين..

في أول الوهلة تجلب نظرتك إليها..لأنها صورة تنفرد من الصور الشقيقة لها..حيث هي تسول ينبني من الصخبات والملامح المتباكية..لكنها تقتنع بالصمت الذي يكاد يتغلب على الكلام الصارخ..صمت وراءه زوبعة من الأحزان والأحداث المروعة...

ليست هي بائعة العرقسوس ولا الفطيرة ولا هي تحمل طبقات أم علي ولا أقراص الطعمية..إنها فقط تجلس وترسل مقلة من غاية التفكير..من اقصى زاوية الضمير..قلبها يدق وينبض بالتضرع لكن الصوت يمنعها ولعل اللغة تخدعها..

لا تهمها العابرون ولا المترددون..لا تسعدها فتيات في بنطلونات فاتنة وثياب شبه خليعة..

ولا هي تهوي مظاهر الأمهات مع أطفالها في طريقهن إلى المدرسة..ولا تهيجها عربيات تغدو وتروح..

لا تكاد سادرة في غفوة من الأفكار..أفكار مبتورة لا سرور فيها لتبتسم سوى خطوط الأرق والضيق والاختناق. .سوى القصص المخضلة بالدموع..يا لمأساة الدنيا..حين تنهش الأقدار أحلام النساء..وحين تقطف من حياتها زهرة الآمال ولداتهن يتمتعن بأحلى الذكريات...

هي في عالم آخر..خال من الضجات والبهرجات..لا تنعشها فيروزيات الصباح وحتى المنشاويات التي تتسرب إلى خفايا الضمير بدقة..لأنها ضحية الجوع...لقد قام بها الجوع واستعمر في بطنها ووجهها..مقلاتها تنم عن شدة الوجع الذي يطاردها من حين لأخر..في أحداقها دعوة تتصعد إلى السماء وهي تدري من عمق صدرها المتنهد أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة..إلا أنها تثق في خالقها الذي يعلم مستقرها ومستودعها..هي قرأت من القرآن وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها...

هي مسيس الحاجة إليها.. رغم العيون التي تلاحقها مع طيف من الشك..رغم الوجوه الشاردة..رغم نظرات تنبو من الإذلال والإهمال..

هي تجلس وكأنها تعتكف في محراب الآلام..أو تردد من أشجى الأنغام التي حفظتها في صباها واستحضرتها لتكون مرهما على ضراوة الحياة..

لا تتكلم ولا تنطق..سوى نظرتها النافذة التي تطرح إلي المارين ألف سؤال وسؤال..ربما هي لا تحسن اللهجة المصرية ولا الفصحى التي لا يفهمها العوام..نظرات صارت بمثابة تساؤلات قاسية..

ولكم صريع القدر انسحب من معركة الرغيف حين طحنته الظروف ودققته..يطمح لكي ينفض عنه الغبار فيطير نحو آفاق فساح..ولكم جند القدر جنوده ليهزم الملايين من النسمة..بعضهم أيسوا من دفئ الحياة وانقطعوا من حلقاتها المسلسلة..وبعضهم استنجدوا بالدعوات التي تجسمت لهم كآخر فرصة للانتهاز والاغتنام..

صباحها سواء كما المساء..لا تنعشها أراجيز الطيور الصادحة ولا نغمات صارخة تخرج من مذياع في الطراز القديم..أليست حياتها نغمات شجية..لحنها الحزن وإيقاعها البكاء..موسيقاها التنحب والنشيب..وبعض من الهمسات الناجمة من محتد الضراعة والابتهال..

هي تجلس مكدودة مجهدة.. ورب السماء أدرى بما في قلبها من الوجع والجزع وبما في بطنها من الجوع..يا للهول لو تضرب الأزمة ربات الأسورة..وتطفئ أضواء قلاداتها..فرفقا بالقوارير..