وقد تشرفت كيرالا برئاسته القوية وزعامته الفتية ونظرته العميقة في المسائل الفقهية، بيد أنه اعتكف على التحقيقات وعلى المطالعة وجمع النكات المهمة من المؤلفات القديمة وبعضها كادت تندرس وتختفي، وقد بانت في حياته حقائق غضة التي تشهد على تحمسه وشجاعته في الإفتاء والقضاء، وهذه الحماسة والشجاعة قلما يفوز بها العلماء لا سيما إذا أورثت فضاء صخبا وأرضا مضطربة، ولكنه لم يزل يخطو خطوة جريئة باستراتيجية جديدة، هو الرد على السؤال برد آخر، وهذا النهج هيج مسامع الحضار وحرك عواطفهم وقريحتهم حتى فهموا فحوى الكلام، ولكنه لم يسئم ولن يبدي أي كراهة ولا ملل إذا وجه إليه سؤال تلو آخر، مهما تعلق بالكتاب أو لم يتعلق، وقد استفاد الطلبة من هذه المعاملة حيث إنه فتح أبواب السؤال وأرشدهم إلى إدراك الجواب، كأنه يحثهم ويدفعهم إلى البحث والتفحص عنه حتى يشجع الطلبة إن أدركوا الكلام أو كشف الجواب.

وفي الحقيقة، إن كيرالا تغيرت كثيرا وتطورت من نمطها القديم، والحوافز التي أدتها إلى التغيير والتنمية هي ارتقاء مستوى الحياة بين المسلمين، وازدحامهم لمغادرة الوطن إلى الجزائر العربية، وأما الدول العربية فقد عبرت أشواطا عديدة في نيل التقدمية والترقية وفي وقت نفسه كان العالم الإسلامي في قلق واضح وفي توتر مبين، وانعكست آثارها في هذه الولاية أيضا فانصبت إلى دور المليبار الثروات النفطية الهائلة فتضخمت المدن والقرى بالمساكن الشامخ والعمارات العالية، كأن شعب كيرالا خاصة شعب المسلمين تسلقت سلالم الترقية والتعليم الجديد، وتناسوا عن ماضي المجاعة والفاقة، حتى اصطف العلماء والعوام في رصيف واحد، هو التربية الجديدة مع القديم الصالح والجديد النافع، وكانت دار الهدى في طليعة هذه الأحلام المنورة، ويقوم في مقدمة جيشها الشيخ المرحوم أم أم بشير المسليار، وكان ذا قريحة جذابة وفطانة تدرك حقيقة الماضي والمستقبل، وله دور بارز في توجيه عناية جمعية العلماء نحو أمثال هذه النزعات الجديدة، فشاعت بين المفكرين والأكادميين شهرته المباركة" كجامعة مثالية" وفازت أنشطتها قبولا واسعا بين الخبراء ورواد الصحوة الإسلامية.