وأما شيخنا مع دقته وشدة عنايته مع التقاليد والتراث التليد لم يتشبث بالظواهر ولم يشدد في المواقف بل أدرك الحقيقة وقدم الحلول، حيث إنه اجترأ لرد كل من سعوا لخرق الإجماع ودحض حجية السنة وإنكار الأحاديث والمذاهب الأربعة، وكان ذا سعة في تفكره ومعاملاته حيث إنه عاهد علاقة وطيدة بين الفقراء والعوام وأسرع إلى دعوتهم وهرول إلى مجلسهم، وكان شافعيا فقها وأشعريا عقيدة، وتلوح في فتاويه ملامح الدقة والتحقيق والمطالعة المستصلة في أمهات المذهب الشافعي.

وأما الاستعمار البريطاني كانت ضغثا على إبالة والأمة المسلمة قد فقدت أميرها وسلطانها، وتلاشت الخلافة في تربتها ومهدها، فكان المسلمون قائمون بالثبات للتصدي احتلالات البريطانيا، والتحدي ثقافتها ومآثرها مهما كان الثمن، فانسحبوا من تعلم اللغة الإنجليزية كراهة بهم لا كراهة باللغة، وتقاعدوا عن المدارس الحكومية دفاعا وإباء، فأصبحوا متعاقبين عن الأغيار أميالا وتعبوا في قطع المسافة للمرافقة معهم.

وكانت الثقافة المختلطة أو الحضارة الممتزجة بقية الاحتلال والاستعمار، فأصبحت اللغة الإنجليزية رسم العزة والافتخار، وأما المسلمون فاكتفوا بالانتحار، ومن هذا اليأس والأسى انبثقت في دماغ الأئمة شمعة صارمة كل ليل حالك، وتشكلت منها الجامعة الملية وجامعة علي غره حتى وصلت سلسلتها إلى حلقة جامعة دار الهدى الإسلامية.

ويعجب الباحث شدة شخصية تمثل الشعب التقليدي في حماية البحوث وإقامة النقاشات والمباحثات العلمية بشرط أن لا تخرق الإجماع ولا تفرق العوام، ستين من عمره أصبحا مدرسا وقاضيا ومفتيا، فلا غرو إذا هيئه الزمان لكي يكون يده ولسانه، لأنه عامل مع الناس، مع العلماء، مع الخبراء، مع السياسيين، مع الصحافيين، مع الطلبة، وقام بالتدريس في دروس المساجد ثم برئاسة جامعة تتألق مثل النجم في السماء.