وبعد قيادته الكريمة اتسعت دائرة الجامعة إلى شتى المجالات، وفي كل حركة وسكنة كان الأستاذ معها مشرفا وأميرا وناصحا أمينا، وتنورت من يده الكريمة عدة مقالات تمس إليها الحاجة، وأكثرها كانت متماسكة بحاجة الحال والزمن.

ومع ذلك كانت له بصيرة شديدة في حل العقدة والمشكلة، مطلعا على الأخبار والجرائد ومسقصيا عن الأزمات المنتشرة في الأمة، ومقدما حلا لها على نمط أجمل، وبوأ للعلم مكانة غالية ورد دعاية كل من زعم أن "المسليار" هو متخلف عن تقدمية العلم الجديد حتى لا يعرف حس الزمن وشأن الدار، فتلى عليهم أن أتقن أسباب الغنى هو العلم والعمل، ووصاها بالجد في سبيله مهما كان الثمن، ولقنهم" ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" والحكمة يتطور ويتغير حسب تقلبات الزمان والمكان، حتى مست الحاجة إلى تعلم اللغات المختلفة والعلوم الجديدة والابتكارات الحديثة، وقد أثرت خطاباته المفعمة بالعلوم السيادية حتى انجذبت إلى هذا المعهد جم غفير من المفكرين والبادين في التعليم، وكثيرا ما ألقى خطابات علمية في المؤتمر المنعقد للخريجين من أمثال جامعة دار الهدى وجامعة النورية وغيرهما من المؤسسات المرموقة، يوصي فيها عن مسؤولية العالم وعن ذمته الثقيلة الموضوعة في كواهله، ويرشدهم إلى خدمة الدين والدعوة حتى لا تذهب أوقاتهم هواء ولا ضياعا، ويشجعهم لنيل علم جديد وكتابته في مذكرتهم وبياناتهم لئلا يندرس ويمحي.

وقد تجلى في محاضرته انعكاس عالم يفهم مكانة الحضار والسامعين حتى يضمن في خطبته كلمات إنجليزية مع أنه كان ملازما ومعتكفا على المؤلفات التقليدية، ويشرح الموضوعات الجدلية إربا إربا حتى يقطع كل نكتة ونقطة.

الرحيل

تلبى الأستاذ زين العلماء نداء ربه بعدما قدم حياة مثالية حافلة بالدعوة والجد والاجتهاد، مخلفا تراثا تليدا بين أتباعه، ومعقبا أساسا أصيلا لجمعية جرت تحت قيادته وأمره ونهيه، مسببا لتسكاب دموع الملايين مذكرا أن الحياة حياة العلم والحكمة.

أناخت في مسقط رأسه حجافل ومحافل يشتاقون لرؤيته ولو مرة، واستراح الأستاذ أمام أم أعين أفلاذ كبده وأبناء قلبه في رحاب الجامعة تحت مظلة الدعوات ومناخ الطموحات، ولم يترك أي لحظة ولا لمحة إلا كحلها بالعبارات والنكات القيمة.