المحكمة الشعبية

تأتي إليه قضيات تسلقت سلالم المحكمة، تأتي إليه لفصل خطاب ووسطية إحكام، ويحل عقدة التساؤلات بعدما قام بفحص دقيق فيها، نكاحا ومحلة وتصريفات اقتصادية.

لا بون من يقدم إليه، منهم من يتشاجر في المال، ومن يتقاتل في العيال، ويعاني ويضطر في البال ويندهش أمام الأمراض وأسوء الحال ومنهم من عدة الطبقات والقبائل، لم يستعد لارتداء عباءة السياة بنفسه واعتقد أن الروحية ليست من تظاهرات بدنية بل هي قوة ذاتية.

وهناك تعقد عدة جلسات، أكثرها للجامعة النورية وبعض من المؤسسات الدينية كمجلس معونة الإسلام وجلسات طارئة لرابطة المسلمين، ونحن نرمقها بعيون مندهشة

أيام الشواغل

قام الأب بعقد نكاح خمسة أولاده على أحسن المطمار والمنوال، وكتب بيده بطاقة دعوة زفاف الأخت الكبرى،وأرسلها إلى المحلات مباشرا وسمسارا حتى أرسل إليه رئيس جزيرة مالي رسالة لعدم إمكانه للحضور، وعرفنا أترابه وشركائه.

وبعد تحول الأعمام من دار الحسب اضطر في استقبال الزوار، ملايين من الشرق والغرب، وعند ذلك يشارك في عدة البرامج حتى يكون مشتغلا في يوم الثلاثاء ويجالسهم ويؤاكلهم، ويأمرني والسيد منور للحضور أمام الرجال ولكنهم لم يفارقونه حتى يشاهدون أبي الحنون لأن قلبهم إنما يطمئن برؤيته.

وتكون ليلة عند رجوعه إلى البيت بعد مشاركته في البرامج، وأحيانا في اليوم القابل، وتكون هناك رجال يقصدون زيارته ينتظرونه منذ البارحة، ولا يدخل البيت إلا بعد رجوعهم، وإن أتى البيت مبكرا يطوف البيت ملاحظا الشياه والطيور ثم يوزع أوقاته لمن ينتظره في الخارج، وعند إغلاقه الباب بتنا غائصين في المنام.

ثلمة لا تسد

اليوم، تسمح له باقات الكرامة والاعتراف أكثر ما كانت في حياته، وتزدحم أخضر الأمة وأسودها في إلقاء الخطبة ومد الكتابة حوله، انجرفت إلى يوم عروسه من شب القوم إلى دبَه، أغنياء وفقراء، لقد هرولوا إلى جلسة دعوته حتى ظننت أن الأب قائم في البيت.

جزاك الله يا أبانا

وكانت حفلته الأخيرة جلسة تنوير كتاب "ماء زمزم فضائل فوق التعبيرات"[1] أصدرتها كلية سبيل الهداية الإسلامية من إحدى فروع جامعة دار الهدى الفعالة، وفي تلك الجلسة نفسها وصى الوالد لفضيلة بافوتي مسليار للقيام بالدعاء ولكنه أبى قائلا : إيه يا سيد بالدعاء فقال فليدع مثلكم منذ الآن.

وحاليا، لا أقدر على مرور سنوات خالية من والدي، لقد أصبحت وفاته ثلمة لا تنسد، ولنا ذكريات تتسلل.

ودع الدنيا سعيدا بدعوات الملايين، اللهم اجعله سعيدا كما كان سعيدا في الدنيا ووفقنا للمرافقة في الجنة،آمين.



كتاب أصدره من كلية سبيل الهداية الإسلامية،[1]