أبي اجتمعت فيه بهجة الزهرة وهالة البدر وصفاء الأملاك، أحب الفراشة والأشجار والطيور، وأهدى الفقراء قلبه وقالبه، وألجأ الأيتام والملهوفين، وأطعم المعدومين وناول مرهم المحبة والبهجة لمن كان يعاني بالشجو والكآبة، ولقن الزعماء السياسيين عزة وثقة بأنفسهم، وأخبر الأثرياء عن الفقراء، حتى حرس مجتمعا لأجل عيشة هانئة، فتولاه الشعب أجمع حتى صار هو لهم وهم له.

كمجمع البحرين

شاهدت في والدي صفات تستحق لكمالية الإنسان من فكرة وهاجة، وعقيدة لامثالية واصطبار وحلم، وعفو وقلب واسع، ما أكتبها بقلم التوسع والتجوز عن والدي بل عن رجل قام بحماية إحساسات الملة، عن رجل أدهشني تشبثه بالفكرة الإنسانية بدلا عن أسوار العصبية والطائفية، وما رأيت أحدا يقاربه في مثل هذه الصفات في قريب من الأيام.

وهي زلة كبرى إن لم نتبادل هذه الحياة إلى الأجيال، وهي جريمة شعواء إن لم نضعها في شاشة الاستقبال،فلا بد من رعايتها هذه المؤسسات الثقافية والتربوية والاجتماعية المبنية على تذكاره وأفكاره، وأنا أعتقد جيدا أنه إن تحلينا بحياته الكريمة فتلك الشيمة الحسناء التي نوجهها إليه.

وإن حل عمي في ذلك المحل ولكن منزله كان شيء آخر حتى لا نقدر على سده وإن بالغنا في جدنا.

نور في الفلاة

وبعد وفاته لا تخلو عني ذكرياته وإحساساته، وتلك الكرامة التي استحقها أبي باقية فيمن خلفه في الأجيال، ويأتيني عديدا شاكين عن وفاته باكين لمماته، شيوخ أجلاء يشاطرونني عنه ويبكون، كالأخ باوا من كودور والحاج حمزة، والأخ ماهين من وينغرا وعمر من كاسركود، شخصيات عديدة، يأتون الدار ويشاركونني في الأخبار، حتى خيلت أنه حي، وقد سعدت برؤيته في المنام ولا يمكن لي أن أعيده إلى الأنام.