تسعون يوما وفي القلب إحساسات فياضة تجرف إلي أحلاما وردية وتزيل عني قاذورات اليأس الفاحم..تسعون يوما في مصر الحبيبة..كنانة الله في أرضه..حيث النيل يربط الملايين بماء الحياة..حيث الأهرام تجتر ذكريات الكبرياء..حيث الفقر لم يزل يضرب بشدة بين الشوارع والحارات...حيث خيم الحزن على قسمات المشردين..مطاردين من جادة الحياة..هاربين من سطوة الظلام.. مشتاقين إلى جنة وسلام..

تسعون يوما.. وقد جربت العين أشتاتا من الذكريات الجميلة والمصادفات الممتعة..فيها ما تسلي النفس من متاعب الحياة المضنية وفيها ما تريق دمها وتفيض دمعها. كل يوم تجربة جديدة وخبرة لذيذة..تمر الأيام مر السحاب..علمتني الغربة ألوانا من الفصول وعناوينا من الصور..عن الصبر الذي يزودني لمقاومة المشاكل..لمجابهة الأزمات والأخطار...لمصادمة الصخور ومنازلة الوحشة..عن الهمة التي تثمر فيّ دوحة الأمل وتدفعني نحو شطآن الهدف النبيل..عن اليقين الذي يتراءى لي عن بعد أميال..عن الحنين الذي يخلق فيّ معالم الحب والهوى..عن الأحلام التي تكبر في داخلي وتتآكل..عن المغاورات التي لا تتلقى التنازل...عن الخيط الذي أشد به أزري..

أرتني الغربة وجوها تخترمها الأسى وتتكدس فوقها الهموم..تأكلها ديدان الشقاء والتعب.. وجوه حرمت إشراقة الشمس وجمال البدر.. مبعدة من ظلال البان والصفصاف..شاحبة الحركات وغامضة الخفقات..ضامرة البطون كاسرة القلوب..

فتلك أحجار جامدة لا جديد عليها لتكتب وتحكى ..تندفع في السيول الجرافة ولا تستقر في أي مكان..لا مطر يشققها ولا سيل يدققها.تبقى على حالها على مر السنين...

نصحتني الغربة أن أكون حذرا يقظا من المنعرجات الخطرة...وأن أتنبه عن الذين يتشبثون بذيل حلمك ويحجزون الطرق أمام بابك...أن أكون حارسا متمرسا يأبى الخنوع والخضوع..وأن لا استسلم وإن وارتني ذرات التراب ولفتني أكفان من الهوان والضعف...

أسمعتني الغربة نغمات لحنها الطرب والحرب...طبول تدق للعرس..وويلات تشيع النعش...صدحت بها أطياف الدهر..وغنت بها هامات الخوف والذعر...بقيت أسمعها وأنا في معزل عنها..في واد يزهره الياسمين..لكن لم يمض طويلا حتى تخرب الوادي وملأه الغربان...

جرعتني الغربة كؤوسا من الذل والهوان..كؤوسا أدارت في رأسي نشوة الجذلان..إذ نسيت الدنيا وما فيها..