إن بلاد الأندلس كانت مطمح أنظار النازحين والفاتحين . فدخلها في فجر التاريخ ساميون وبيض ، ثم حكمها الأغريق ، فنزح إليها كثير من جاليتهم ، واختلطوا بأهل البلاد بالمعاشرة والمصاهرة ، فكان من آثار ذلك اللقاح نشوء عنصر جديد ظهرت فيه مزايا هذه الشعوب المجتمعة ، وتثقف بثقافة الأغريق ، وهم معروفون بالتأمل والنزوع إلى الحكمة ، حتى كانوا منذ قديم فلاسفة العالم و بعدهم جاء الرومان ، فأثروا مثل أثرهم ، وأدخلوا على أهل البلاد من نظمهم وعاداتهم ما صبغهم صبغة جديدة ، والرومان أهل شجاعة وفروسية في أول عهدهم ، وإن كان الترف قد فت في قواهم ، وأسلمهم أخيرا للوهن والتراخي ثم كان من القوط لقاح جديد من الشجاعة والهمة ، لأنهم دخلوا البلاد ، وفيهم كثير من مزايا البداوة ، حتى يقال إنهم عدلوا مزاج القوم ، وأجروا في عروقهم روحا جديدة ، ثم كان أمرهم إلى ضعف يشبه ضعف الروم فلما جاء العرب صادفوا البلاد ، وقد انطبعت فيها مزايا هذه الأم ، ما لبثوا أن أحدثوا أثرهم ، وأنت أعلم الناس بطباع العربي في باديته ، وما أفاده بالإسلام من خلق فاضل ، ودين قويم يدعو إلى الفضيلة ، و يأمر بالإنصاف في الحالة ، و يحض على العلم ، ويبعث الهمم للسعي في الرزق ، والضرب في الأرض ، واستثارة ما فيها من خير ولما استقر القوم بالأندلس ، وتتام فتحها ، صرف أهل الشام وغيرهم من العرب الحلول بها ، فنزل بها من جرائم العرب وساداتهم جماعة وژنوها أعقابهم ، فنزل بها من العدنانية خندف وقريش ، ومن قریش من بنی هاشم جماعة كلهم من ولد إدريس بن عبد الله منشیء دولة الأدارسة بالمغرب ، ومنهم بنو حمود ملوك الأندلس بعد انتشار ملك بني أمية وأما بنو أمية ، فمنهم خلفاء الأندلس ، وكان من بني مخزوم أبو بكر الخروی الأعمى الشاعر المشهور ، ومنهم أيضا الوزير أبو بكر بن زيدون ونزل بها من كنانة كثير بطليطلة ، ولا تكاد تجد قبيلة من العدنانية إلا و بالأندلس جماعة منها أما البيانية فكانوا أكثر انتشارا من المضرية ، ومن قبائلهم : كهلان ، ومنها محمد بن هانىء الشاعر المشهور ، ومنهم من الأزد من ينتسب إلى غتان ، وهم بنو مازن ، ومنهم من ينتمي إلى الأنصار وهم الجم الغفير بالأندلس ، قيل ومن العجب أن نعدم هذا النسب في المدينة ، ونجده بهذه الكثرة بالأندلس في أكثر بلدانها ومن الخزرج بالأندلس : أبو بكر عبادة بن عبد الله بن ماء السماء من ولد سعد ابن عبادة صاحب رسول الله ، وهو المشهور بالموشحات . و إلى قیس بن سعد بن عبادة ينتسب بنو الأحمر ، سلاطين غرناطة الذين كان لسان الدين بن الخطيب أحد وزرائهم ، وفي آخر أيامهم انقرض ملك العرب بالأندلس عاشر العرب أهل البلاد بالخلق الرضى والجوار الحسن والخالطة العادلة ، والإسلام لا يحجز صاحبه هذه الخالطة في جميع نواحيها ، لذلك أقبل العرب على أهل البلاد يستخدمونهم في أمور الدولة ، ويتسرون بنسائهم ، أو يتزوجونهن ، فنشأت ناشئة اجتمعت لها صفات هذه الأجيال المتعاقبة ، وكان للشعب الجديد حكمة اليونان ، وفروسية الرومان ، وهمة العرب وصبرهم ، ولم يكن الأثر في كل ذلك للاختلاط وحده .فإن للبيئة وطبيعة البلاد أثرا ظاهرا يتعادل مع الأثر الذي يجري في الدم من طريق التزاوج والتناسل وهاك فاسمع في إجمال صفات أهل الأندلس بعد امتزاجهم بالعرب ، ما برو به صاحب نفح الطيب ، عن ابن غالب في کتاب « فرحة الأنفس » : أهل الأندلس « عرب » في الأنساب والعزة ، وعلو الهمة ، وفصاحة الألسن ، وطيب النفوس ، و إباء الضيم ، وقلة احتمال الذل ، والسياحة بما في أيديهم ، والنزاهة عن الخضوع و إتيان الدنية « هنديون » في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم إياها ، وضبطهم لها وروايتهم « بغداديون » في نظافتهم وظرفهم ، ورق أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم ، وحسن نظرهم ، وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم وحدة أفكارهم و نفوذ خواطرهم « يونانيون » في استنباطهم المياه ، ومعاناتهم لضروب الفراسات ، واختيارهم لأجناس الفواكه ، وتدبيرهم التركيب الشجر ، وتحسينهم اللبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر . فهم أحكم الناس الأسباب الفلاحة ، وهم أصبر الناس على طاولة التعب في تجويد الأعمال ، ومقاساة النصب في تحسين الصناعات ، وأحذق الناس بالفروسية ، وأبصرهم بالطعن والضرب » . واستمر هذا شأن الأندلس مدة استيطانهم لهذه البلاد ، وهي زهاء ثمانية قرون ، فلما نفذ قضاء الله تعالى عليهم بخروج أكثرهم - وهم المسلمون وحرمانهم من هذا الوطن الذي كان أعز عليهم من نفوسهم ، تفرقوا في بلاد المغرب الأقصى بر العدوة . فأما أهل البادية فقد نزلوا البوادي وخالطوا أهلها ، وأفادوهم ما كانوا درجوا عليه في موطنهم الأول ، فاستنبطوا المياه ، وغرسوا الأشجار ، وأحدثوا الأوحى الطاحنة بالماء ، فصاحت بذلك حال مضيفيهم ، وكثرت غلاتهم ، وعمت الخيرات فيهم . وأما أهل الحواضر ، قالوا إليها في وطنهم الجديد ، فأهل الأدب كان منهم الوزراء ، والكتاب والعمال وجياة الأموال ، حتى كان لا يستخدم بلدي ما وجد أندلسي .