قصة للفقيه أبي ابراهيم وقد استدعاه الحكم المستنصر

وقد حكى الفقيه أبو القاسم مفرج بن محمّد بن مفرج قال: كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم رحمه الله فيمن يختلف إليه للتفقه والرواية فإني لعنده في بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي فيه قرب داره بجوفي قصر فرطبة ومجلسه حافل بجماعة الطلبة وذلك بين الصلاتين إذ دخل عليه خصي من أصحاب الرسائل جاء من عند الخليفة الحكم فوقف وسلم وقال له: يا فقيه أجب أمير المؤمنين أبقاه الله فإن الأمر خرج فيك وها هو قاعد ينتظرك وقد أمرت بإعجالك فالله الله. فقال له: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ولا عجلة فارجع إليه وفقه الله وعرفه عني أنك وجدتني في بيت من بيوت الله عز وجل مع طلاب العلم أسمعهم حديث أبن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يقيدونه عني وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضاء الله وطاعته فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة فإذا انقضى أمر من اجتماع إليَّ من هؤلاء المحتسبين في ذات الله الساعين في مرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى.

ثم أنّه أقبل على شأنه ومضى الخصى يهينم متضاجرا من توقفه فلم يك إلاّ ريثما أدى جوابه وانصرف سريعا ساكن الطيش. فقال له: يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله فأصغى إليه وهو يقول لك جزاك الله خيرا عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين وامتعهم بك وإذا أنت أعبت فامض إليه راشدا إن شاء الله تعالى فقد أمرب أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وأذكرك تمضي معي. فقال له: حسن جميل ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدة ويصعب علي ركوب دابة لشيخوختي وضعف أعضائي وباب الصناعة الذي يقرب إلي من أبواب القصر المكرم أحوط لي وأرفق بي فإن رأى أمير المؤمنين أيده الله تعالى أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه هون علي المشي وودع جسمي وأحب أن تعود فتنهي إليه ذلك عني حتى تعرف رأيه فيه وكذلك تعود إليَّ فإني أراك فتى شديد فكن على الخير معينا.

ومضى عنه الفتى ثم رجع بعد حين وقال: يا فقيه قد أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله ومنه خرجت إليك وامرت بملازمتك مذكرا بالنهوض عند فراغك وقال: افعل راشدا وجلس جانبا حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه بأكمل وأفسح ما جرت به عادته غير منزعج ولا قلق فلما انفضضنا عنه قام إلى داره فأصلح من شأنه ثم مشى إلى الخليفة الحكم فوصل إليه من ذلك الباب وقضى حاجته من لقائه ثم صرفه على ذاك الباب فأعيد إغلاقه على إثر خروجه.

قال المفرج: ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود إغلاقه بدير القصر لنرى الذي تجشم الحليفة له فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحا قد حفه الخدم والأعوان منزعجين ما بين

كناس وفراس متهيئين لانتظار أبي إبراهيم فاشتد عجبنا لذلك وطال تحدثنا عنه.