مما لا شك فيه أن القصة تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل وعي الطفل وإدراكه كما أنها تسهم بشكل كبير في نضجه الفكري والنفسي، وإلى جانب المُتعة الكبيرة التي توفرها قراءة القصص للطفل، وتحفيز خياله وملكته على التأمل والتفكير، فإنها تشكل أيضًا مصدرًا مهمًا للمعلومات، ووسيلة لإيصال القيم الإنسانية والأخلاقية، وأداة لبناء قُدرات الطفل اللغوية وتقويتها.


كُنت أَقُص على بناتي قصةٍ، وكانت بطبيعة قصص الأطفال ذات مَغزى وقيمة يفهمهما الطفل من سياق القصة، أو من توضيح أبويه.


تتحدث القصة عن ثلاثة خِراف ضَلوا طريقهم ودخلوا وادي مُجدِب بلا ماء يروي عطشهم أو أعشاب تسد جوعهم، وبدأوا يبحثون عن مخرج من هذا الوادي، أو يعودوا من حيث أتوا ولم يصلوا لشيء وبعد بحث مستمر وجدوا أمامهم غزال صغير فسألوه عن مخرج فقال لهم: أن الوادي ليس به سوى مخرج وحيد وبدأ يقودهم إلى المخرج، وهم في طريقهم تذكر الغزال شيئًا مهمًا فقال لهم: عند المخرج قد بَنتْ الذئاب بيتا لهم ليفترسوا أي حيوان يدخل أو يخرج من هذا الوادي.. فسأله أحد الخراف وكيف تدخل وتخرج قال الغزال: أستغل سرعتي، وحين أدخل أو أخرج أعدو بأقصى سرعة لدي فلا يستطيعون اللحاق بي،


فقال أحدهم: أنا أُفضل الموت هنا على أن تأكلني الذئاب وتنهش لحمي، أما الأخر فقرر أن يُغامر ويخرج مع الغزال فقال له الغزال: حين أقترب من المخرج تعدو معي بأقصى سرعة لديك، أما الثالث وكان أمره غريب! قال: أما عني فسأذهب لبيت الذئاب وسأقول لهم أني أريد أن أخرج وأطلب منهم أن يُعاهدوني ألا يأكلونني ويتركوني أخرج.


ظلَ الخروف الأول في الوادي وفضل الموت جوعًا وعطشًا وألا تأكله الذئاب، وأما الخروف الثاني حين جاء وقت خروج الغزال من الوادي طلب منه الغزال أن يظل بجواره ويعدو بنفس سرعته عند المخرج وبالفعل عند خروجهم سمعت الذئاب أصوات أقدام، فَهَمَ أحدهم ليخرج ويُمسك بالفريسة فقال له الأخر: إنه الغزال وهو أسرع منا ولن نستطيع اللحاق به، كانت مغامرة من الخروف لكنه بالفعل نجا بحياته.


أما الخروف الثالث كان مترددًا أن يذهب إلى بيت الذئاب ويطلب منهم ما عزم عليه، ولكنه حزم أمره، وأقترب من بيت الذئاب، وبدأ ينادي عليهم فخرج له كبيرهم الذي سال لُعابه حين رآه فقال الخروف أنا ضللت الطريق في هذا الوادي وأريد أن أخرج وأتمنى منكم أن تُعاهدوني ألا تأكلوني عند خروجي فأجابه الذئب بنظرة ماكرة نُعاهدك ألا نأكلك، اقترب واخرج في سلام، وما أن اقترب من المخرج حتى هجموا عليه جميعًا وبدأوا في افتراسه، فقال لهم وهم ينهشون لحمه لقد وعدتموني أن تتركوني أخرج في سلام فقال له كبيرهم: ومتى كان للذئاب عهدًا مع الخراف؟!


وبعد فترة عاد الغزال للوادي فوجد الخروف الذي فضل البقاء هزيلًا ضعيفًا يعيش على بعض النباتات الجافة وما يتفضل به الغزال عليه قال له الغزال: إني أرى صديقك يأكل في الغابة ويشرب وصحته جيدة ويعيش في سعادة.. فطأطأ الخروف رأسه مستسلما لحاله التي هو عليها.


سألت إبنتي رأيها في القصة، استنكرت ما فعله أحد الخراف وذهابه إلى الموت بنفسه وكأنه يقدم نفسه وجبة شهية سهلة للذئاب وقالتها لي نصًا "كأنه رايح يقولهم تعالوا كلوني! إيه السذاجة دي؟!"


أما من ظل في الوادي فرأت أنه سلبي مستسلم وليس لديه أي حس للمغامرة أو محاولة إخراج نفسه من هذا المأزق وقالت بطفولتها البريئة "هو محاولش يعمل أي حاجة علشان يطلع من الوادي وإن شاء الله هيموت"


أما الثالث فقد أعجبها صنيعه وأنه على الأقل حاول أن يحل مشكلته حتى ولو بالمغامرة، حتى لو لحقت به الذئاب فيكفيه شرف المحاولة، وأننا حين نقع في مأزق لابد أن نبحث عن حلول، ولا نقف مكتوفي الأيدي.

وقد فاز باللذات كل مغامر.