لكلٍ منا في حياته شيءٌ ما يراه عظيم القيمة! يقدمهُ ويُعليه عما سواه، ويرعاه بشكل مختلف.

قد يكون عظيمُ القيمة هذا معنويًّا، كموهبةً يراها في ذاته، أو ماديًّا كسوارٍ أو عقد لؤلؤ ذي تاريخٍ عائليٍّ أصيل...أو ما يجمع الماديَّ والمعنوي معًا كبيتِ عائلةٍ قديم أورثه إياه والده الراحل....

لكن...من أين تأتي تلك القيمة؟

ظاهريًا يولد البشر جميعًا متساوين. بيدَ أنه علىٰ المدىٰ البعيد تظهر المعادن الحقيقية لكل إنسان، ويمر الزمان ويستبين أحدنا -في نفسه- مميزاتها ويبصر مثالبها، ويكتشف مواهبها ويسبر أغوار باطنِه بشكل أعمق، وتتشكل رؤاه الخاصة عن الذات وعن الآخرين وعن مُحيطه، وإذ يرىٰ ما لا يراه غيره، ويهوى ما لا يهواه سواه، فهو يمنح القيمة لأشياء وينزعها عن أُخَر! وهو في هذا مدفوعٌ بهوىٰ النفس والمِزاج الشخصي ومنطلقات الشعور!

لا أحد غيرنا يرىٰ بأعيننا، ولا قدرة لأقرب أقربينا علىٰ فهم دواخلنا -كأنفسنا- مهما كانت حميمية القرابة!

فالبيت القديم له في نفس أصحابه ذكرياتٍ لا تمحوها السنون، وضحكات رنانة من القلب أصداؤها في أعماق صاحبه تحيله إلى جنةٍ عذراء.. وإن كان علىٰ ظاهره وحقيقته جدرانًا مهترأة لا تستحق النظر ولا التمعن!

....وكذلك معظم الأشياء من حولنا، فالقيمة لا تولد لأن الشيء غالٍ أو ثمين في سوق الناس، بل تُكتسب من مكانته في نفوسنا ومقدار ما تمثله لنا ولإنسانيتنا!

لذا لا تتعجب -عزيزي القاريء- عندما ترىٰ شيئا عديم القيمة في نظرك يرفعه شخص آخر عنان السماء، فأنت أيضًا تملك أشياء لا قيمة لها إلا في عينيك!

لهذا، ترفق بمن حولك ولا تستخف بمحبتهم لأشيائهم.. فالقلوب ليست واحدة، ومحاجر الأعين ترىٰ الأشياء بشكل مختلف، ولا تنسَ أن لكل منا رؤاه.. ومن الحق الأصيل لكل منا أن يرىٰ ما يريد.. فمن هذي الرؤىٰ، تأتي قيمة الأشياء.