(من دفتر الذكريات)
الحكاية الأولىٰ:
(٣/١)

في سنوات طفولتي كُنت أطمح لأن أصير مذيعة راديو!
أتذكر أن الفكرة احتلت خيالي مبكرًا جدا مُذ تفتح وعيي على برامج الراديو، الراديو بإذاعاته العربية والأجنبية كان أحد المصادر الثقافية والترفيهية المفضلة لأسرتي المُحافظة.

في عمر السادسة تقريبًا، مع بداية مرحلتي الابتدائية، تنامت بداخلي محبة الراديو أكثر وأكثر بفضل الإذاعة المدرسية وبرامجها الصباحية التي كُنت استمع إليها من زملاء الدراسة وهم يقرأون كلماتهم في طابور الصباح..تعجبني جرأتهم وثباتهم في مواجهة الآخرين، وتبهرني -أنا الطفلة الصغيرة حينها- فكرة استحواذ أحدهم بشكل يومي علىٰ آلة صغيرة تتيح له أن يكون مسموع الصوت لعدد كبير من الناس ومحل إنصاتهم جميعًا!
بيد أن هناك تفصيلة ما، كانت تزعجني وتعكر صفو استماعي لهم، تلك المقدمات المكرورة التي لم يسأموا تكرارها يوميًا دون أدنى ابتكار!.. نفس المقدمة تقريبا تُقرأ في كل صباح، يتغير القراء وتتبدل الوجوه ويبقى المقروء واحدًا!!

..ولأني كُنت -ومازلت- شخصًا يكره الرتابة، وجدت أنه من واجبي أن أغير هذا الأمر، فمن يفعل إذا لم أكن أنا؟!

استجمعت جرأتي وذهبت للمعلمة المشرفة علىٰ الأمر وطلبت منها أن تسمح لي بكتابة مقدمة إذاعية مختلفة، على أن أقدمها بنفسي في الأسبوع القادم.. في البداية نظرتْ إليَّ المعلمة وقد ارتسمت علىٰ ملامحها الدهشة!! ثم ما لبثت أن تجاوزت دهشتها (والتي بالمناسبة لا أُنكرها عليها) فقد كُنت في طفولتي فتاة هادئة صموتة، أحضر في هدوء، وأرحل في هدوء، وأؤدي واجباتي كذلك في هدوء ولا تكاد تسمع لي صوتا! أستمع للآخرين بانتباه لكني لا أتكلم كثيرًا..!

لاحقًا في البيت، عرضت الأمر على والديّ، فرحبا بالأمر وساعداني في كتابة نص رائع كمقدمة.. لا أذكر كلماته الآن، لكني أذكر جمال عباراته وموسيقاها في أذني ووقعها في نفسي، وفرحتي الشديدة بنفسي وأنا أرددها في زهو طفولي أبتسم لتذكره الآن..
بدأت تدريباتي الصوتية أمام المرآة وكررتُ النص مرات ومرات وكلما هاتفنا أحد الأقرباء، أخبرته الأمر في سعادة وفرحة لا مثيل لها! فرحة كانت تُضحك المستمع على الطرف الآخر من المكالمة ويشاركهم فيها عائلتي الصغيرة في البيت.

جاء صباح اليوم التالي وذهبت للمدرسة باحثة عن معلمتي لأطلعها على المقدمة الموعودة والسعادة تغمرني..
ابتسمت المعلمة..أخذت مني الورقة، قرأتها سريعًا والابتسامة الثابتة على وجهها تتسع، ثم أعطتني إياها ثانية..
«مقدمة رائعة.. تدربي عليها أكثر من مرة حتىٰ يحين الوقت.»

سعدت كثيرًا وذهبت للطابور الصباحي ووقفت أستمع لإذاعة اليوم وأنا أحلم بيومي المنشود..وما إن انتهىٰ الطابور حتى وجدت أمامي إحدى زميلاتي تنظر لي وعلىٰ وجهها ترتسم علامات الأسف وتنقل لي الآتي:
«لقد رفضت المعلمة أن تظهري في الإذاعة المدرسية»
(معلش يا سُلوان)

يتبع....

(من دفتر الذكريات)

نلتقي مع حكاية جديدة في الأسبوع القادم بإذن الله...