#من_دفتر_الذكريات

الحكاية الأولىٰ

(٣/٢)

لقد رفضت المعلمة أن تظهري في الإذاعة المدرسية

«معلش يا سُلوان»

.......

بهذه الكلمات شعرت لأول مرة في حياتي بمعنىٰ الرفض!

ظللت صامتة، لم أعلق، ولساعات طويلة رفضت الحديث مع أحد. فقط استمعت بإنصات للدروس المدرسية ودونت علىٰ الأوراق ما يطلبه المعلمون والمعلمات من واجبات وفروض منزلية..حتى أوشك اليوم على الانتهاء واستعد التلاميذ للذهاب إلى المنزل...

في تلك الأثناء- وجدت المعلمة المشرفة على أمر الإذاعة في انتظاري..

-(سلوان تعالي لحظة..)

استمعت للأمر وذهبتُ باتجاهها..

- (لماذا أنتِ حزينة؟ هل هناك ما يزعجك؟ لقد لاحظت صمتك طوال اليوم...لم تتكلمي إطلاقًا ماذا حدث؟)

كنت أنظر إليها وأنا مترددة..هل أستفسر عن الأمر؟ هل أحاول أن أفهم لماذا رفضت؟ أم أواصل الصمت الذي اعتدته؟

إلا أنني قررت في نهاية الأمر أن أتكلم ..

- (لماذا رفضتِ؟ لقد قلتِ لي صباحًا أن المقدمة قد أعجبتكِ؟

لما رفضتي ظهوري بعدها في الإذاعة المدرسية؟)

نظرت لي المعلمة بدهشة ثم قالت:

- (من قال أني رفضت؟ لقد أخبرتُك أن تتمرني من أجل الأمر؟ متى رفضت؟!)

- (لقد أخبرتني (...) أنك رفضتي ظهوري، جاءت لي بعد الطابور الصباحي وأخبرتني.. الآن المدرسة كلها تعلم أنني لا أصلح لذلك ليتني لم أتقدم للأمر!)

- (ومن قال أن كل هذا قد حدث!! أنا لم أرفض شيئًا ولم أتحدث مع أي من زملائك في هذا الأمر....!

وهل تعتقدين أنني حتىٰ لو رأيت أنك لا تصلحين، سأبعث إليك بصديقة من عمرك لتخبرك بهذا؟!

هل يمكنني أن أجرحك بتلك الطريقة؟!)

كنت أنظر إليها وأنا مشدوهة...

لقد حزنت طيلة يوم كامل بسبب كذبة ملفقة من فتاة اعتبرتها صديقة مقربة!

- (سُلوان... اسمعيني جيدًا.. مازلتِ فتاة صغيرة، سأعلمك الآن شيئًا ولكن إياكِ أن تنسيه أبد الدهر..

ليس كل الناس صالحين في تلك الحياة!

ستقابلين أشخاصًا كثيرين في حياتك ولن يحبكِ جميعم كما تتصورين؛ والأهم أنهم لن يحبوا لكِ الخير كما تتوقعين منهم!

إياكِ أن تنسي هذا يا فتاة.. وغدًا أنا سأعاقب(...) علىٰ كذبتها هذه!

هيا اذهبي الآن للمنزل وتمرني كما اتفقنا! ولا تسمحي لأحد بأن يحزنك مرة أخرىٰ!)

حسنًا لقد حزنت يومها... كانت تلك هي المرة الأولىٰ التي أختبر فيها خيانة الأصدقاء؛ ولكنها لم تكن الأخيرة!

لاحقًا في البيت تمرنت أكثر علىٰ أمر الإذاعة وأخبرت والدتي بما حدث؛ وقد حاولت جاهدة أن تطيب خاطري وتدفعني لعمل ما أحب أكثر...

في صباح اليوم التالي وجدت المعلمة تقف أمام صديقتي..

وكان من الواضح أنها توبخها علىٰ كذبتها أمس..

انتظرت حتى انتهت المعلمة وذهبت إليها حتى أتفهم لماذا فعلت ذلك!

- (صباح الخير ( ...) لم أخبرتني البارحة أمرًا كاذبًا بشأن الإذاعة؟

- (لأنك ببساطة لا تصلحين.. أنتِ لا تتحدثين أثناء اليوم الدراسي من الأساس.. هل تريدين أن تقفي أمام مئات الطلاب والمعلمين لتتحدثي في الميكروفون؟ أنتِ حقًا مجنونة!)

- (أنا لست مجنونة أنا فقط لا أتحدث إلا وقت اللزوم! لم أعتد الثرثرة دون سبب كما تفعلون!

أنا حزينة لأنكِ تكذبين من أجل أمر لا يعنيكِ!)

- (سنرىٰ الأسبوع القادم!)

- (فعلًا سترون جميعكم...)

البارحة كنت حزينة لخسارة صديقة.. واليوم أنا سعيدة لاستعادة نفسي مرة أخرىٰ!

طبعًا لم أكن -في حينها- أترجم تلك المشاعر إلىٰ أوصاف وكلمات، لكنني كنت أعلم فقط معنيين اثنين للأشياء

إما السعادة أو التعاسة!

وحينها استطعت أن أتغلب علىٰ تعاستي وحولتها لسعادة مرة أخرىٰ!

طلبت مني المعلمة صباح اليوم التالي أن أختار فريق الإذاعة..

من سيلقي الفقرات يا ترىٰ؟

حينها فكرت في كل أصدقائي الهادئين الذين يُنظر إليهم على أنهم غير موجودين في تلك الحياة! يا الله، وكأن إثبات الوجود في تلك الدنيا مدخله الثرثرة!

في البداية تخوَّف مَن أخترتهم من الموقف، إلا أنني تمكنت من إقناعهم في النهاية بأننا سننجح؛ وكذلك لن أنسىٰ دور المعلمة في دعمنا ومساعدتنا.. لولاها ما كان لشيءٍ أن يحدث!

وهكذا جاء اليوم الموعود..

ذهبت للمدرسة قبل الموعد بنحو الساعة؛ وكذلك فعل الأصدقاء...

ابتسمت المعلمة وبدأ الجميع في الاستعداد..

ها قد حانت اللحظة التي انتظرتها كثيرًا..

أمسكت بيديّ الصغيرتين جهاز الميكروفون الثقيل والكبير بالنسبة لحجمي وعمري وقتها طبعًا!

وبدأت الكلمات تنساب من فمي بقوة وبلغة عربية فصيحة انطلقت أردد الكلمات.. وكذلك أصدقائي الذين شُكك في أمر نجاحهم من قبل...

أنا الآن على ارتفاع أربعة أدوار أنظر لجميع الطلاب من وراء الشباك الزجاجي، وأراهم صغيري الحجم متناثرين كالنمل على رمال المدرسة الصفراء؛ بينما أنا وفريقي نُحلق علىٰ ارتفاع أحد المباني في يوم شتاءٍ غائم، رائحة الهواء فيه كرائحة الياسمين....

كان الشعور أشبه بمن يطير ويرىٰ الناس من أسفل!

وما إن انتهينا من الإذاعة حتىٰ ضجت المدرسة بالتصفيق!

كان الأمر أشبه بالحلم.. لقد نجحنا جميعًا!

وكان الفضل في ذلك لإيماننا بأنفسنا وإيمان معلمتنا بنا....

في نهاية اليوم الدراسي الحافل ومع السعادة البادية علىٰ وجوهنا جميعًا وثناء المعلمين علينا .. كانت (...) تبدو حزينة للغاية!

هل يمكن أن يكرهنا الأصدقاء لهذا الحد دون ذنبٍ أو جريرة منا؟

هل كان نجاحي أو نجاح الآخرين فشلًا كبيرًا بالنسبة إليها؟!

لا أعلم.. كل ما أعلمه أننا لم نتحدث معًا بعدها....

وما إن خرجنا لفناء المدرسة حتىٰ ذهبتُ أنا والأصدقاء لشراء الحلوىٰ والاحتفال بنجاحنا الصغير..

وما لبثت أن بدأت في تناول الطعام حتىٰ وجدت خلفي سيدة لطيفة مبتسمة تناديني..

ذهبت للتحدث معها فعرفتني بنفسها وقالت أنها معلمة لغة إنجليزية نقلت حديثًا لمدرستنا..

- (لقد كان هذا هو أول يوم لي بالمدرسة..

لقد استمعت لإذاعتك وأعجبتني كثيرًا طريقة إلقاءك للكلمات.. ورأيت كم كانت فرحتك عارمة أنتِ وأصدقائك!

وفكرت لو أنك تقدمين إذاعة مثل التي قدمتيها اليوم ولكن باللغة الإنجليزية؟ هل توافقين؟)

سعدت جدًا.. ودون أن أنطق ببنت شفه أعلنتُ موافقتي بالابتسامة الكبيرة وهز الرأس في إشارة واضحة علىٰ الموافقة..

وبهذا بدأتُ مع تلك المعلمة اللطيفة حكاية جديدة....!

يتبع....

نلتقي مع حكاية جديدة في الأسبوع القادم بإذن الله...