تتناول الرواية حياة جارتين , يربطهما الوقت بعلاقة وطيدة يتخطيان تحت ظلها رتابة اليوم التكراري الذي كانت تحياه كل منهما , وذكريات الماضي العالقة إلى حاضريهما , فلدي زينب ذكريات حادة حول حادث غرق أختها بالصغر وإنفصال والديها على أعقاب الحادثة التي لطالما كانت تتهم بأنها السبب في حدوثها ,ولدي خديجة حياة بين أربع جدران تشع عليها بوميض الوحدة في ظل غياب زوجها وتحت وطأة القلق الدائم من فقده وسط أحداث الحرب القائمة .

الفتاتين جمع بينهما القدر تحت مظلة الجيرة , وفرقهما الفقد تحت وطأة القصف والتهجير على أعقاب أحداث حرب ١٩٧٣, لتربط فاجعة الموت بين بطلتها التي فقدت رضيعتها داخل العقار أثناء قصفه وبين عائلة جارتها زينب التي فقدت حياتها في سبيل محاولة إنقاذ الرضيعة دون جدوى , لتأخذها حياة تلك العائلة نحو سبيلاً آخر لم تكن لتتخيل أن لهذا الحد قد يبلغ ترتيب القدر وغايته , فالمرأة التي أتت على خلفية حضور مراسم الدفن , ستمكث بين أفراد تلك العائلة لتصبح فردًا جديدًا عليها بل ومنها , بل لتصبح الفرد الأهم فيها.

ولكن هذه المرأة التي جدت على العائلة ستكتشف بعد إنقضاء وقت طويل بينها أنها لم تكن بجديدة كما كانت تعتقد بل ستكتشف أنها أصبحت أحد أفراد العائلة التي رفضتها منذ سنوات , العائلة التي رفضت زواج ابنهم بها دون رؤيتها آنذاك , لكن لم تكن وحدها من ستكتشف ذلك , إذ أن زوجة الأبن كانت قد سبقتها إلى ذلك .

حياة خديجة وسط هذه العائلة التي ستنتهي بها كوصية على حفيدتهم , بل والشخص الوحيد الباقي لها , لتصبح خديجة أمًا لطفلة غير طفلتها , تربيها وترعاها كطفلتها التي عُوضت بها عن كل بشاعات الفقد التي ورثته من ليلة القصف التي أفقدتها جارتها التي كانت كل أنسها , وسلبتها طفلتها التي كانت تظنها عوضها عن فقد زوجها في أحداث الحرب آنذاك .

ولكن ما كانت خديجة لتتخيل بأن الطفلة التي ربتها كإبنتها سيأتي يوم تظن فيه أن خديجة ما كانت سوى إمرأة سلبت أبيها من أمها , بل وسلبتها من والديها , لينشب بينهما خلافًا كبيرًا تقرر شمس على إثره البحث عن الحقيقة بنفسها فهي تود أن تعرف (كيف آلت إلى خديجة الوصاية ؟ ) وماذا حدث بعائلتها , لكن يشاء القدر أن يكن بحثها عن هذا سبيلاً يأتي بإجابة أخرى لم يكن أحد قد وضع لها سؤالاً , إجابة ستكشف لخديجة جزءًا آخر لم تكن تعرف عنه شيئًا , جزءا مما حدث بليلة القصف تلك .

والآن أترككم مع مقتطقات من الرواية  وأتمنى أن تنال إعجابكم :

" تذكّر دائمًا بأن الجرح لا يلتئم بليلةٍ واحدة، وأن الصعود لأعلى لا يكفيه خطوة عابرة، وأن الظلام لا يزول بدون ضوء، وأن الضوء لا تجلبه إلا النفوس التي تُدرك كيف تتوجه سبيلها نحو النور في أشد الأوقات ظلمة . "

" وكيف تغيب! إن أكثر الذكريات حضورًا هي تلك التي استطاع مكنونها يومًا أن يخترق أقصى داخلنا دون استئذان، راسمًا سبيله دون مقدمات، تاركًا فينا آثاره الجميلة تقودنا إلى الأمام، حتى وإن كانت ذكرى ذات نهاية مشبعة بالألم، وموجعة كثيرًا حد البكاء بدون توقف. "

" إن نُضج تفكيرنا , حسن تصرفنا , ريادة أفعالنا , بل حتى قدرتنا على فهم معاناة الآخرين , ماهي إلا نتاج أوجاعنا , تجاربنا , سقطاتنا , بل ما هي إلا خبراتنا التي إكتسبناها بعد عناء شديد , إن المرء يكاد يمشي بالطريق فيضل السبيل ثم يُدرك ذلك , فيتوقف قليلاً يتذكر, يراجع خُطاه , يحدد موطن الخطأ ليتعلم منه , ثم يعود ليمضي من جديد بخبرة أكبر , نٌضج أشد , خُلق أعلى وهكذا يازينب , فإن الأشخاص الرائعين ما ولدوا هباءا , هم مزيج أنتجته الحياة بدروسها , المواقف بقسوتها , التجارب بشدتها , الكفاح بعناءه , الهزيمة بثقلها والخسارة بمرارتها , بل شعور الفقد والإشتياق بصراعاته ." 

"حين تدرك الحب اللامتناهي , وتشعرُ بوهم التفكير اللامتلاشي , حين تتغير معالم أشياء بدت من الوهلة الأولى أنها ثابتة , وتثبتُ أشياء كنت تظُنها متغيرة , حينما تولد أفكار وتموت أخرى , ويولد بداخلك شخص جديد , بعقل أشد إحساسا وقلب أكثر حكمة , حينها ستُدرك أن كل ما آلت إليه نفسك,سعادتك, يعود بمكنونه إلى هؤلاء الأشخاص الذي كان حبك لهم دون نهاية , لذا فإنه يشق على نفسك أن تأتيك الصفعات من أكفهم , وأعلم أن الصفعة ليست بوجود خطأ أو وقوعه , وإنما بعدم الصدق في مداواته , وأن النفس تتجاوز الخطأ ولكن يشق عليها تقبل إستمراره , لذا كن صادقاً حين حديثك وأعلم أن الصدق ميثاق وعهد يكفل لي الطمأنينة ويضمن لي صدق الرغبة في مداوة الخطأ , ويكفل لك التفهم والتجاوز , بل والعون في تخطيه إن أمكن , لذا لن أطلب منك شيئاً سوى أن تكون صادقاً دوماً , فإياك وأن تدع خشية النتائج تكن دافعاً لمداراة الخطأ بخطأ آخر, ولا تتناسى أن المثالية ليست هدفاً فهي إستحالة وأنني أُيقن ذلك , لم يُخلق أياً منا مثالي . "

" الوجع هو أن يكذُب المرء دون إرادة , مُجبراً إنكساره على الشعور بالألم مقابل الوقوف بحزم , الوجع هو أن يبكي المرء دون سند , يفقد دون سبب , يُقهر دون مُبرر , بل أن يصير جوهر واقعه هو اللامنطقية , أتدرين الوجع هو أن تُجبرين على تقمُص دور اللامنتمي في حفلة يتراقص الكل فيها كمنتمون . "

 "لا تعني الحياة أن تستقيم كل معالمها حتى تصير حياتنا والنعيم سواء ياهدى , فإن تفاصيل ما نعلمهُ وما نتعلمه منها ما كان بإدراكه لولا إنعواجها , فلولا شرها لما قدرنا خيرها , ولولا مشكلاتنا بها لما زاد في عمق إدراكها إدراكنا ,ولا في تجاوزها زادت قُدراتنا , إن قلوبنا كعقولنا سواء فإن كانت الحياة بتجاربها تغذي عقولنا فكرا ,قرارا , بُعدا ,وعمقا , فإنها تزيد القلب قدرة على تقدير مشاعره بحيث لا يمنح مشاعره لشيء لا يستحق , ولا يتعاطف إلا مع ما ينبغي , أكثر تقديراً في وضع مشاعره بالموضع الذي تستحق . "

" إن الرغبة في التحرر من قيود كثيرة لهو دافع كافِ للإقبال على الموت بإبتسامة مُشرقة دون تردد , ذاك لأن القيود درجة من درجات الموت , إن لم تجعل من الممات أسمى أماني الراغبين في الحياة , لقد غدت ملامحنا أكثر غموضاً من شدة إحتلالهم لتفاصيلها. "