الرافعي وما أدراك مالرافعي ، الأديب والفيلسوف في الحب ، ولغته التي لا يعلى عليها ، قد تجد مايوازيها مثل :
لغة "مصطفى لطفي المنفلوطي "، لكن لن تجد ماهو أرفع منها .

في كتابه "حديث القمر " الذي خصصه للحديث مع القمر في فصول عشرة ، فتارة مخاطبا القمر قائلا له :
"أيها القمر !
الآن وقد أظلم الليل وبدأت النجوم تنضخ ،وجه الطبيعة التي أعيت من طول ما انبعثت في النهار برشاشٍ من النور الندي يتحدر قطرات دقيقة منتشرة كأنها أنفاس تتثاءب بها الأمواج المستيقظة في بحر النسيان الذي تجري فيه السفن الكبيرة من قلوب عشاق مهجورين برحت بهم الآلام ، والزوارق الصغيرة من قلوب أطفال مساكين تنتزعها منهم الأحلام"
ومتغزلا :
"والآن وقد طلعت أيها القمر لتملأالدنيا أحلاما وتشرف على الأرض كأنك روح النهار الميت ماينفك يتلمس جوانب السماء حتى يجد منها منفذا فيغيب ".
ومتشكيا :
"مالي ولك أيها القمر ؟
لا أحب أن أفيض عليك دمعتي ، فقد ترى فيها أشعة كثيرة من ألوان الأسرار المختلفة ، بل أنا اراها في قلبي وقد اشتمل بها الخيال الحزين ، خيال هذا الأمل الذي يسميه الناس (الحب) وتسميه الطبيعة (الحياة المعذبة ) لأن الناس قد مضوا على ان لا يعرفوا الحقيقة إلا بأوصافها ، ولا يعرفوا من أوصافها إلا ما يتعرف إليهم من ظاهرها الجميل ، أما باطن الحقيقة الذي يحتوي السر المحزن فهذا يعرفه من يفهم لغة الطبيعة ، وما لغتها إلا أفعالها .

ويتخلل المناجات مواضيع كثيرة ، أفكاره عن الحياة وفلسفته فيها مثل :

"ليس كل مايعجبك يرضيك ، ولكن كل مايرضيك يعجبك ".

ومصطفى صادق خاطب القمر وأخبره عن الملحدين :
"وليت شعري ماذا يراك أيها القمر ؟
لأنه لا موضع في قلبه للحب ؛لأن الحب للمؤمن ".
ويقول مخاطبا الملحد:
"أيها الملحدون أنا لا أستطيع أن أتعزى بالعقل ، لأنه هو الذي يجعل النازلة لا تقبل العزاء ؛بل المصيبة لا تكون مصيبة إلا حين تكون عقلية ، فمتى وقعت مرت كأنها حادثة مألوفة تجئ بالنسيان أو يذهب بها النسيان ".
وباح كذلك عن الذي يدور في خلد العاشق .

وفي الفصل الثامن جاد علينا بشعره :
يابانيا بقلوب الناس يجعلها .
قصر الحياة ، تبصر أيها الباني .

أسس على الحب ، لا تلق القلوب سدى .
وضَعْ لكل فؤاد شكله الثاني .

أخيرا :
كتاب "حديث القمر " ل"مصطفى صادق الرافعي " يصلح أن يكون قطعة فنية ...يستلهم منها الكاتب الكثير من الجمال الذي سيحرض قلمه على الكتابة وروحه وفكره لإكتشاف الجمال.