فى البدايةِ تجدُ النبيلات مصطفاتٍ على خط واحدٍ يتألقن إشراقا فى أثوابهن الباذخة الأناقة ، والرجال النبلاء أمامهن فى صف مواز فى حللهم السوداء الرسمية ، يمدون أيديهم إليهن فى إشارة إستئذان مغزاها " هل تسمحنّ" ، فترد النبيلات بأيديهن الممتدة مع انحناءة ترحيب خفيفة مغزاها " بكل سرور " ، ويبدأ السحر ...ويدور كل شريكين فى مربعهما ، وتتبادل المجموعات مواقعها حتى يخيل إليك وأنت تراهم يرقصون أنك تشاهد نجوما تدور فى أفلاكها ..

هل جربت الفالس؟؟! ، ..أن تدور فى حلقات الغرام مع من يدورورن ...الفالس بذاك الإيقاع الاوركسترالى الفخيم فى بهوٍ مزدانةً أسقفِه ، مُذهبةً جدرانه ..ورفقاء الرقصة معك مصطفين على خط واحد ، ترقصون وتتابدلون المواقع فى تناغم وانسجام ، والأوركسترا تتحدى جدران البهو فخامةً ، والسحر يملأ ذرات الهواء حولك .. يا إلهى ..هل جربت هذا الشعور من قبل ؟؟!

لا أظنك جربت .. ولا حتى أنا اللهم إلا فى الخيال ، فسبق أن أخبرتك أن بلادنا لا حيز فيها يستوعب هذا النوع من الثقافة الموسيقية الراقصة .

رقصة الفالس عزيزى القارىء هى رقصةٌ أوروبية عريقة نشأت فى النمسا أولا ومنها امتدت لألمانيا ، ثم انتشرت فى باقى أوروبا ،ورغم الإحتلال الأوروبى للمنطقة العربية إلا أنها لم تلق رواجا فيها ، وربما هذا لأن تلك الرقصة هى رقصة " القصور" أى رقصة الطبقات النبيلة والحاكمة ، لذلك فقط انتشرت فى مصر  فى عهد الأسرة العلوية ، وقصور الطبقة الراقية بحفلاتها التى كانت لا تنتهى ، وذلك لأن ثقافة تلك الطبقة فى ذلك الوقت كانت هى الثقافة الأوروبية بلا منازع ...

من المعروف أن المقطوعة العالمية الأشهر للفالس هى " BLUE DANUBE " أو " الدانوب الأزرق" لـ شتراوس عام 1866 ، يليها فى المرتبة الفالس الروسى الشهير " SECOND WALTZ " أو " الفالس الثانى " لـ دميترى شوستاكوفيتش الذى قدمه فى عام 1955 وكان فالساً بديعاً بحق .

ولكن هل معنى هذا أننا أننا لا نعرف عن الفالس شيئا فى مصر  ؟؟

على الرغم من عدم رواج الفالس عربيا ، إلا أنه كان ملهما لكثيير من الموسيقيين العظماء فى مصر ، و أستطيع أن أعد لك عزيزى القارىء ألحانا مصرية بديعة تسكن الوجدان تم تضفير إيقاع الفالس فى موسيقاها نظرا لافتتان الموسيقيين الشديد به ، مثل أغنية " أنا قلبى دليلى " لـ ليلى مراد التى جميعنا يستطيع أن يتذكرها جيدا وهى ترقص فيها الفالس مع أنور وجدى ووجهيهما تخفيه الأقنعة ، و "يا حبيب الروح " أيضا لنفس المطربة والتى غنتها فى الفيلم الذى يحمل نفس الإسم .

أيضا " ليالى الأنس فى فيينا" لأسمهان والتى قام بتلحينها أخوها الموسيقار فريد الأطرش ، و أغنيته هو الخاصة " يا زهرة فى خيالى " . والموسيقار محمد فوزى الذى قام بتلحين أغنيته الجميلة " يا نور جديد "مستخدما هذا الإيقاع البديع ليغنيها فى عيد ميلاد محبوبته .

أما الموسيقار عبد الوهاب فكان وللحقيقة أكثر موسيقيي مصر ثقافة ًو انفتاحا على الألحان الغربية وتأثرا بها ، ومزج بينها وبين ألحانه الشرقية كثيرا وربما هذا ما أعطاها عمقا واستمرارية وتميزا ، فقام بتلحين " انا والعذاب وهواك " مستخدما ايقاع التانجو ، أما الفالس فكان مضفرا فى رائعتيه " الجندول " و " كليوباترا " .

أما حديثا ، فقد غنت فيروز " إيه فى أمل " على نفس الإيقاع ، وغنت ماجدة الرومى " العالم إلنا " على إيقاع " الفالس الثانى الروسى ، ..ولا يزال هذا الإيقاع ملهما ، لكن فى الحقيقة تبقى " الدانوب الأزرق" هى أيقونة الفالس الساحر ، التى تخطر فى الخيال بمجرد أن نتحدث عن تلك الرقصة ؛ تستطيع أن تسمعها من أوركسترا الموسيقار النمساوى الأشهر " أندريا ريو " والذى أداها على أروع ما يكون فى حفلة فى فيينا فى حديقة قصر الإمبراطورة " SI SI "وكانت تصاحبه فى صالة الحفلات بداخل القصر او كما يسمونها " BALLROOM " فرقة من أمهر الراقصين من " أستريا " قاموا بتأدية رقصة الفالس على عزف فرقته فى مشهد لا يمكنك ان تنساه من بذخ جماله وسحره وروعته ..

فى النهاية عزيزى القارىء  ..لا تيأس أبدا إن لم تجد متنفسا للجمال..، فالجمال يسكننا طالما أن ارواحنا نقية صفية مشرقة ..طالما هى قريبة من الله ..، الجمال حولنا فى كل ماصنع الله ، فكن من الله قريبا ترى الجمال فى روحك وفى كل ما حولك ،  لا يضرك أنك لا تسمع الفالس او ترقص عليه ، كن صفى الروح وستجدها ترقص رقصتها الخاصة على لحنها الفطرى البديع  بجمال ورشاقة  ..فالرقص يا عزيزى ليس بالخطوات فقط ..بل باللفتات والكلمات وتلك اللمسات الصغيرة فى كل ما نصنعه  ..فى كل ما نقوله وما نخفيه وما نعلنه .. فالحديث رقصة ..والصمت رقصة .. وفى الرقص لا تحتاج مهارة الخطوة بقدر ما تحتاج عمق الإحساس وجمال الشعور و أن تذوب فى الموسيقى..