- " أخشى ألَّا يكون في العالم كله شخصٌ يُشبهني، وأن صوتي مهما بدا عاليًا يتجاوزني للخارج لا يفهمه غيري، يمر عليه ولا يُحرّك فيه ساكنًا، لا ينتبه أن تلك الكلمات مني، وأنها بشكلٍ ما تُعبر عني، تلك أفكاري وما اعتقدت يومًا وما شعرت، أُفكِّر إن كان عليَّ في يومٍ من الأيام أن أُصبح شخصًا آخر كي ألائم واقعي، على الرغم من أنني أصبحتُ أكثر واقعية قليلًا في جميع أموري، وهذا ما أخشاه أكثر " يُرددها عقلي في صباح كل يومٍ وفي المساء، وفي كل مرةٍ لا أنتبه أبدًا أن صوت أفكاري تجاوز حدود عقلي، يبدو أنني أصبحتُ أكثر انفتاحًا في التعبير عن ذاتي، على كل حالٍ هذا ما عاهدت نفسي عليه منذ أمدٍ ليس ببعيد، ويبدو أنني الآن أكثر تقبلًا لهذا.


- " لا يوجد " يُرددها أخي بعد كل مرةٍ تخرج الأفكارُ من رأسي لتصل لأذنيه فيضع مشروبَه جانبًا وعلى الجانب الآخر هاتفه، ويُواصل كلماته التي أرجو بداخلي ألا تكون صادقةً كمثل صدقه أو أقل قليلًا.


يُخبرني أخي بأن المدينةَ الفاضلة لم ولن توجد سوى في مكانين لا ثالث لهما، رأسُ أفلاطون، ورأسي، وكلانا لا يعرف عن الواقع كثيرًا، فأُدافع عن أفلاطون وأُخفى بداخلي أنه دفاعًا عني، أنا لا أعرف أفلاطون، وكذلك أخي.


أرتدي عُويناتي وأتظاهر بكوني روحًا أخذت من الحكمةِ نصيبها، فأُخبره بأنَّ في هذه الحياة، هناك نوعين من البشر _أقصد رؤيتين: نوعٌ مثلي، ونوع مثلك، وكلانا يحيا الحياة برؤيته، ويفعلُ الخيرَ بطريقته المُثلى! ربما أنت على الطريقِ الصحيح، أو تُحاول، ولكن هذا لا يمنع أنني كذلك أسير باتجاهه، أو أحاول، فيُخبرني بأنَّ في الحياة عددٌ لا محدود من البشر، عددٌ لا محدود من الرؤى، وليس بالضرورة أن يكون الخيرُ هو الغايةُ أو الوسيلة، وهذا بالتحديد ما أريد أن أقصُّه عليكِ.


" يا عزيزتي الحياةُ تطفحُ بالاحتمالات، صدِّقي أو لا، ولكنَّها تفعل، عُويناتك لا ترى سوى الخير والحب والجمال، أنا لا أنكرهم، فأنا أراهم طوال الوقت فيكِ، ولكن على الجانب الآخر هُناك العكس تمامًا، وما بينهما لا يُعد، أعرف أنَّ لكِ من الحكمةِ ما يجعلك تتوقعي وجودهم، ولكنك لا تصدِّقيه، لا تُؤمني به، حتى وإن رأته عيناكِ، حتى وإن حدث معك، تفرّين منه وكأنَّه بهذا لم يكن ولم يوجد، تتوقعين أن هذا الرجل أو ذاك، هذه الفتاة أو تلك، تتوقعين منهم دائمًا أن يتلبَّسوا لباسَ الخيرِ والحبِّ والجمال، تتوقعين الصدق دائمًا لا شئ غيره، أليس كذلك؟

- لأن أحدًا غير مضطر لأن يكون غير ذلك.
- ‏ولكنُّه قد يفعل .. هذا ما تجهليه .. ولكنه قد يفعل!


للناسِ مذاهبهم في كل شئ، تعددت الغاياتُ وتباينت الوسائل، ولكل منَّا ارادته الحُرة في أن يحيا بطريقته المُثلى كما تقولين! ولكن في هذا العالم الكبير، هناك احتمالاتٌ هنا وهناك، اختياراتٌ هنا وهناك، أولوياتٌ هنا وهناك، إن كنتِ تريدين بالضرورة تصنيفَ البشرِ إلى نوعين، فهُناك بالطبع كثير من الاحتمالات المفقودة، وعُويْناتك ستُخطأ الاتجاهات أكثر من مرة، البشر ليسو قدِّيسين ولا شر مطلق، شئٌ في المنتصف يختلط، يقترب أو يبتعد.


يُخبرني أخي في كل مرةٍ يُحدثني فيها بأن أُحرر عقلي في السَّماء كما أريد، لا شئ في هذا، ولكن عليَّ أولًا أن أُرسِّخ قدمي على الأرض، أنا أحاول ولكن، في كل مرةٍ أشعر بأن روحي تجذبني نحو السماء، نحو عالمي الحالم، عالمٌ يكون كما ينبغي له أن يكون، على الأقل في رأسي أنا، فهذا يُشعرني بأنه ما زال بإمكاني أن أحيا على هذه الأرض، عالمٌ يُبدي الاهتمام كل الاهتمام بكل ما يتعلق بالانسان، وما يشعر به، وما يرغب فيه، عالمٌ يتوقف كثيرًا عند طفلٍ رحل عصفوره، أو صديق يشعر بغصةٍ في قلبه لأن حُلمًا منه قد غادره بلا عودة، أو فقد عزيزًا إلى أجلٍ غير معلوم، وبأن آخر شعر في لحظةٍ ما أنَّ عائلته هي الأمان في فوضى هذه الأرض، وصديقه الذي غادر البلادَ شعر بالغربةِ بين أهلها، وآخر لم يتركها شعر بالغربةِ بين أهله، وهذا يشعرُ بأنه يشتاق لنصفٍ منه لم يلتق به أبدًا، عالمٌ يتوقف قليلًا عند كل جميلٍ ليُخبره أنه جميل، وأنني يجدر بي أن أؤجل كل انتصاراتي لبضع ساعاتٍ لأن صديقي يتألم الآن، عالمٌ لا يفترض أبدًا أن ما أُبديه من أفعالٍ بدافع اللطف يحمل أي معنى آخر سوى اللطف، وأنَّ من آذاني إذا عاد وابتسم فعفا اللهُ عمَّا سلف.


أتفهَّم تخوُّف أخي، ولكنني أخشى من أن أفقد شيئًا من روْحي، وأغوصُ في عالمٍ لا يُشبهني، عالمٌ ليس بالضرورة أن يكون بكلِّ هذا السوء ويجبرني أن أتعامل معه، أو هذا ما تمنَّيته طوال عمري، أُؤمن بأن كل قلبٍ في هذا العالم قد أخذ نصيبه من الخير، وأن لطف اللهِ يُحاوطني أينما كنت، وطالما أنني في صدقٍ من أمري، طالما أنني أُحاول، فدائمًا سيرزقني اللهُ البصيرةَ التي تُمكنني من اكتشاف الطرقِ التي تُشبهني.


هكذا أخبرته فتوسَّعت حدقة عينيه واعتدل في جلستهِ وتعلَّل بأنني نسيت شيئًا مهما للغاية، فتوترت قليلًا وسألته عمَّا نسيته، فابتسم وأخبرني بأن عليَّ أن أخرج للعالم أولًا كي أكتسب خبراته؛ لتتعادل كفة ايماني مع واقعي، وأنه ينقصني الكثير بانعزالي، وينقص العالم الكثيرَ من اللُّطف في كل هذه الفوضى، أتحجج ومن ثم أعود لمثل عادتي، بأن العالم بات لا يفهمني لأخرج له، فيُقاطعني : " بل تخشين أن تواجهي بعينك حقيقة ما أقوله لكِ الآن"، أرفض هذا بشدة رغم أنني أستشعر بقلبي صدقَ قولِه، فأتعلل بأنَّ ليس لدي الكثير من الأصدقاء لأخرج معهم، فيُخبرني إن أردت فعلها بإمكاني أنْ آنس بناسي، وصديق واحد وفي، وأن أُلقي بأسلحتي وبنفسي بين أحضانِ العائلة، الصغيرةُ والكبيرة، وأتحرر من خوفي بأنهم ربما لا يتفهَّموا كل ما يعنيني، ورهبةُ أنني إنْ عبَّرت عن ذاتي، ربما يفسد الأمر، ولأول مرةٍ يُجاوبني أخي جوابًا أفهمه، فأخبرني بابتسامةٍ عريضة بأنَّ في النهاية، الود سيُصلح كلَّ شئ، ربما ليس لديهم نفس الأفكار، ولكن تأكدي دائمًا أن لديهم شيئًا ما، ربما الحبُّ ليس الا، وأعتقد أنه كافٍ لكِ في رحلتك، وإن لم يكنْ كذلك، سيكونوا سلاحك الأقوى في مواجهة سوء العالم إن حاول الاساءة، ستجدين شيئًا منكِ فيهم وان اختلفوا، شئٌ من الرَّحمةِ التي تُولد بالاختلاف.


وأمَّا عن أصدقائي، ليس من الضروري أن يكونوا على نفسِ الطريق كي أشعر بالأمان، يكفي أن روْحي تأنس بروحهم، وأن دائمًا لديهم الحب الذي أحتاجه كي أنهي عُزلتي وأخرج على مسافةٍ قريبة منهم، مسافةٌ تسمح لي بأن أُبدي اللطفَ مرةً أخرى بلا خوفٍ أو توقعات، بلا أي مثالياتٍ ليست بالضرورة أن تكون هي الأصح، وإن لم تكن كذلك أنعزلُ كأنَّ شيئًا لم يحدث، وكل الأشياءِ تحدث هُنا، بداخل قلبي، ومن ثَمَّ أبتسم لهم من بعيدٍ كأنَّ ما حدث في قلبي كان محضُ خرافة، أخبرني أخي أنه ليس من الضروري أن أبتسم لهم من الأساس إن أردت ذلك.


يرى أخي أن الاختلافَ الأساسي بيننا يكمن في أنني أُريد أن أحيا حياةً مثالية قدر استطاعتي، بينما يريد هو أن يحيا يومًا مثاليًا قدر استطاعته، أريد أن يسير العالم كما أحبه أنا أن يسير، بينما يريد هو أن يحيا في العالم ويتركه يسير كما يسير، وأنني أرتدى العوينات كثيرًا كي أرى العالم الذي أحبه، بينما هو لا يرتديها أبدًا كي يرى العالم كما هو.