سيرتك الذاتية التي تحب أن يشار لها البنان، وتتباهى بها في المحافل وسط أقرانك، هل تصورت يوما أنها قد تكون سببا لتعاستك وفشلك الذريع؟! بل ورفضك المبكر من الوظائف التي تتقدم إليها، رغم أنك مؤهل بالفعل ولديك العديد من المزايا والخبرات، إلا أن أصحاب الأعمال يكون لهم رأي آخر! فما هي تلك الأخطاء البسيطة التي هي في نظرهم كافية لعدم قبولك بل وإهمال سيرتك الذاتية بالكلية، وكيف يمكنك أن تسد تلك الثغرات التي ربما أعاقتك الزمن الطويل عن وظيفة أحلامك!


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد:

مقدمة

تعتبر السيرة الذاتية في نظر البعض هي الطريق الوحيد للفوز بالوظائف والحصول عليها، لكن الحقيقة أن السيرة الذاتية لا تعد من وجهة نظر أخرى أكثر من وسيلة للوصول إلى مقابلة شخصية ! يتم بعدها الشروع في مراحل تحدد مدى قابليتك لتلك الوظيفة من عدمه، لذا فدعونا لا نعطي سيرتنا الذاتية أكبر من حجمها في الواقع، لكن رغم ذلك فعليك في كل الأحوال أن تعدها بطريقة احترافية لتكون بمثابة خطوة أولى نحو الوظيفة وتحديدا الوصول إلى المقابلة الشخصية.

لكن لتصل إلى هدفك الأول عليك أن تفكر مليا في سيرتك التي بين يديك والتي تحظى منك باهتمام مبالغ فيه، هل يمكن لها أن تكون سببا في وصولك إلى تلك المقابلة؟ لا شك أنك الآن تفكر في عدد المرات التي راسلت فيها الكثير من أصحاب الأعمال ثم لم تجد ثمرة ترجى، أو حتى ذهبت بنفسك لتسليم سيرتك التي تعبت في كتابتها بيدك ووجدت أنك تضطر لملء استمارة (بريئة) أخرى لضمان حصول صاحب العمل على المعلومات التي يريدها، وهو الأمر الذي يلقي بظلاله على مدى ملائمة أكثر السير الذاتية التي تقدم إليهم للأهداف التي طلبوها.


"في الواقع إن معظم السير الذاتية لا يراها أصحاب العمل، ومن تلك التي تصل لمكتب صاحب العمل معظمها يُلقى بشكل غير رسمي في القمامة بعد عدة ثوانٍ، وهذه مجرد لعبة أرقام ففي الواقع (جوجل) لوحدها تتلقى أكثر من مليون سيرة ذاتية في السنة وهذا يعني أكثر من (2700) سيرة ذاتية في اليوم، الآن قد تبدو هذه الأرقام مثبِّطة ومن الممكن أن تكون نوعًا ما مُخيفة، ولكن هنالك أخبار جيدة لأن بعض الأشخاص يقومون بأخطاء شائعة جدًّا في سيرتهم الذاتية والتي قد تتسبب في إبعادهم، وإذا استطعت أن تتعلم تجنب هذه الأخطاء سيكون لديك الأفضلية في المنافسة." (1) 


1- سرد مهام الوظيفة بدلا من سرد إنجازاتك

يميل بعض الأشخاص إلى ذكر مهامهم في العمل في قسم الخبرات داخل السيرة الذاتية، لكن المشكلة تتمثل في أن أصحاب الأعمال لا يهتمون بالدرجة الأولى بما قمت بتحقيقه من مهام قد كُلفت بها في أعمالك السابقة، لكن همهم الأكبر في البحث عن إنجازاتك الوظيفية على أرض الواقع، وبالتالي ما يمكنك أن تفيدهم به في أعمالهم مستقبلا، بما يجعلهم يتطلعون إلى ما يشير إلى ذلك في قسم خبراتك السابقة التي سيكون متحتما عليك أن تظهرها لهم في تلك الأسطر القليلة على هيئة انجازات بأفضل وأبسط صورة بدلا من مجرد مهام وظيفية ربما لن يكترثوا لها كثيرا. وأحب هنا أن أضع لك بعض الإشارات على الطريق وأمثلة من الحياة العملية ربما تسهل لك تحقيق ذلك:

أ. ابحث عن انجازاتك

خلال مرحلة ما بعد التخرج حظيت بإحدى الوظائف الحكومية في قسم المخازن والمشتريات، وعلى بساطة المهام الملقاة على عاتقي آنذاك وجدت أن هناك بعض الملفات التي نحتاجها باستمرار تستهلك منا الكثير من الوقت للبحث عنها، بسبب طريقة تكدسها في الأرفف، فأخذت قرارا بترتيبها على أحرف اللغة العربية، وجعلت كل مجموعة من الحروف في نطاق معين أعرفه، وأصبحتُ كلما طُلب مني مستند لأحد الموظفين أنظر إلى أول حرف من اسمه ثم أمد يدي ببساطة ويسر فاستخرج الملف في الحال، وبإمكانك أن تحسب كم وفر ذلك من الوقت والجهد عليَّ وعلى كل من معي مما كان له أبلغ الأثر في الإنشغال بمهام وأولويات أخرى.


وبالرغم من أن هذا الإنجاز قد استغرق ما يقرب من الساعة في عملية التنظيم والترتيب، إلا أنه سيكون أمرا ذو دلالة على قدراتي في حل المشكلات، وقدرتي على توفير الوقت والجهد في عملي الجديد، أما أنت فقد تختلف قصتك لذا فمن المستحسن أن تعيد النظر في خبراتك السابقة، وستجد حتما مواقف مرت عليك في عملك قمت فيها بتحقيق انجاز أو ابتكار بطريقة ما، مما وفر الكثير من الوقت والجهد والمال، فإذا كان الأمر كذلك فعليك أن تحول تلك القدرات إلى إنجازات ملموسة ومحددة قدر الإمكان وقابلة للقياس.


نموذج آخر:

خلال سنواتي الأولى في العمل داخل القطاع الخاص أتيحت لي الفرصة لاستخدام كل قدراتي الحاسوبية في تنظيم الأعمال وتسهيلها، بدءا من تحويل المنظومات الدفترية إلى منظومات على الحاسب، فعلى سبيل المثال كانت طريقة حساب رواتب الموظفين تحتاج لكثير من الوقت والجهد لحسابها بدقة لما فيها من تفاصيل كبيرة الحجم، فكان حساب راتب الموظف الواحد يتطلب سجلا لساعات حضوره وانصرافه وتأخره وغيابه وعمله الإضافي إن وجد، ثم يطبق ذلك على لائحة العمل لتقدير الجزاء أو المكافآة المناسبة لكل حالة، فتخيل أن كل هذه التفاصيل لموظف واحد فقط! فكيف الأمر إذا علمت أن الموظفين أكثر من ذلك ولكل منهم ميعاد ولائحة خاصة به فبالطبع هذا عمل تنوء به الظهور ولو كان هذا هو عملك الوحيد، فكيف إن كانت تلك أحد المهام فقط!


فكان الحل في العكوف على تحويل كل تلك التفاصيل إلى معادلات داخل ملف إكسيل، تقوم بحساب راتب الموظف النهائي بمجرد تغذية الخلايا ببيانات الحضور والانصراف، ومتطلبات اللائحة لحساب الخصم والإضافة، واستخراج ذلك في هيئة كشف شامل لجميع الموظفين برواتبهم المستحقة بتفاصيلها، وهو الأمر الذي كان له أبلغ الأثر على عملية تسليم الرواتب في ميعادها وتوفير وقت المحاسب لمتابعة مهامه الأخرى.


هنا يمكنني صياغة ذلك كإنجاز في سيرتي الذاتية فبدلا من مجرد ذكر المهمة بصورة تقليدية مثل: "إعداد رواتب الموظفين الشهرية" فيمكنني أن أصيغها هكذا مثلا: "تحويل منظومة الرواتب الدفترية لأكثر من عشرين موظفا إلى منظومة ألية باستخدام برنامج الإكسيل" مما يحضر في الأذهان صورة الإنجاز الذي حققته كشيء ملموس ومحدد وهو الأمر الذي سيلفت الانتباه أكثر للسيرة الذاتية.


ب. استخدم لغة المجال والكلمات المفتاحية التي يبحث عنها أصحاب العمل

الأن وفي ظل التقدم التقني المذهل لا يتم الاعتماد فقط على العنصر البشري في مراجعة مدى مناسبة السير الذاتية للأعمال المطلوبة، بل توسع الأمر إلى استخدام الذكاء الصناعي والحواسيب المؤتمتة بأنظمة التتبع للكلمات الرئيسية التي يجب أن تحويها سيرتك الذاتية، وينتظرها مديرك ليجري معك المقابلة الأولى.


لذا فاحرص كل الحرص على أن تخاطب أجهزة الحاسوب بتلك الكلمات الرئيسية التي تفهمها كما تخاطب البشر بما يفهمونه، وهو الأمر الذي سيتطلب منك دراية أكبر بقواعد محركات البحث عموما وطرق تحسينها وهو ما يسمى بقواعد الـ SEO، هذا من جهة ومن جهة أخرى يجب أن تشعر مديرك بأنك على علم بلغة الصناعة التي أنت مقبل عليها، وينعكس ذلك في سيرتك الذاتية بحسن اختيار كلماتك ومصطلحاتك المناسبة.


2- الأخطاء الطباعية والنحوية

قد لا يكترث البعض منا بقضاء بعض الوقت مع أحد الزملاء أو المتخصصين في مراجعة السيرة الذاتية من الناحية اللغوية، ظنا منه أنه كتبها بشكل جيد أو أن هذا الأمر غير مهم أصلا، هذه الأخطاء أقل ما يقال فيها أنك ستُتهم من قبل مديرك بعدم الاكتراث، وأنك أصلا ليس لديك رغبة حقيقية في العمل، وغيرها من الأمور التي سيقتنصها أصحاب المقابلات التحليلية ليطعنوا في مدى قابليتك للعمل لديهم، والحل في يدك فيمكنك إن لم يكن لديك أحد غيرك أن توظف أحد المستقلين على مواقع الخدمات المصغرة ليراجعها نيابة عنك، ويصححها لك إن تطلب الأمر.


المهم هنا ألا تراجعها بنفسك ودع أحدا آخر يفعل لأجلك، لأنه غالبا ما يكون الآخرين أكثر حرصا في مراجعة عمل قام به غيرهم. كما أنهم سيلمسون الأخطاء من منظور أوسع مما يعطيك الصورة كاملة. إذن الأخطاء الإملائية أمر يجب أن تخلوا منه سيرتك وهو على بعد خطوات، فلا تدعه يثبط من عزمك.


3- عدم البدء بالخبرات الوظيفية الأكثر صلة

هناك طريقتان لسرد الوظائف السابقة في قسم الخبرات، وهما السرد على أساس زمني يتطلب ترتيب الوظائف السابقة والخبرات من الأحدث إلى الأقدم وهذه الطريقة تناسب أصحاب الخبرات عموما، والذين لديهم العديد من الأعمال عملوا بها في نفس المجال، أو على العكس أصحاب الخبرات القليلة والمبتدئين، أما الطريقة الثانية تكون بسرد الخبرات بحسب تجانس الوظائف مع بعضها البعض، بمعنى أن تجعل كل الخبرات التي تشترك في مجال معين تتوالى في الترتيب. 

فمثلا إذا كان مجالك العملي هو في ترجمة النصوص العلمية، ومرت بك بعض الأوقات العصيبة التي اضطرتك للعمل في مجالات أخرى بعيدة كل البعد عن هذا المجال، فربما عملت في محل لبيع المأكولات واكتسبت بالفعل خبرة في مجال جديد، ثم واتتك الفرصة مرة أخرى لتعمل مترجما، فجهزت سيرتك المكتظة بالخبرات الجديدة، وأنت تظن أن هذا مما يميل كفتك، فأقول لك: من الخطأ أن تذكر عملك في محل المأكولات كخبرة جديدة وأنت تتقدم للعمل كمترجم، فصاحب العمل لن يهتم بهذا وليس هذا ما يبحث عنه، بل ربما تكون نقطة سلبية تعني أنك لم تستطع العمل في تلك الفترة لضعف في كفاءتك أو ربما نسيت قليلا وهو الأمر الذي سيجعله يفكر في استبعادك.


لكن المفرح هو أنه يمكنك إضافة عملك في محل المأكولات إلى سيرتك في حال ما وجدت نفسك تتعرض للعديد من المواقف التي احتاجك فيها صاحب المكان، لتعمل كمترجم فوري لدى إحدى زبائنه  وهو الأمر الذي سيتطلب صياغة تلك الخبرة التي تصب في مجال الترجمة بطريقة احترافية.


إذا كانت خبراتك تتنوع وتشمل أكثر من مجال فمن الخطأ  أن تسردها بطريقة الترتيب الزمني، لأن هذا سيضيع عليك اللحظات القليلة لدى صاحب العمل، عليك أن تجعله يرى أولا الأشياء والخبرات ذات الصلة بالوظيفة المستهدفة، وإلا فإنه سيتخلص من سيرتك في الحال ويبحث عن غيرها.

الجزء الثاني


المصادر:

1- توماس فرانك: 5 Resume Mistakes You Need to Avoid

2- مشتق من مقال توماس فرانك وروكسين كي Resume Mistakes You Need to Avoid