دروس تربوية من سورة التحريم:

(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)

نتعلم من الآية:

إذا كنت في مقام المعاتب ، أو مقام المربي المقوم لغيره فلتتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم عندما "عرف بعضه وأعرض عن بعض"

فقد عاتب زوجته رضي الله عنها وعرفها أن الله نبأه بإخبارها الأسرار لغيرها ، لكنه لم يذكر لها كل سر قالته وأعرض عن بعض ما فعلت ، وهذا يدل على عظيم خلقه صلى الله عليه وسلم وحلمه وإحسانه ..

لأن الغرض من العتاب ومن التربية والتوجيه هو الإصلاح ، وليس الانتقام ، وليس إحراج الآخر ووضعه في زاوية ضيقة ، ولا إشعاره أنه إنسان سيء

وما دام الغرض الإصلاح فلنكتفي من العتاب بالقدر الذي يقوّم ويصلح ولا يهدم ويجرح ...

فالتغافل عن الزلات وتقصير اللوم والعتاب من خصال الفضلاء العقلاء.

(إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير¤ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ....)

نتعلم من الآيات:

أن باب التوبة مفتوح وأن رحمة الله واسعة..

لذلك علينا أن نكون عونا لعباد الله ولبعضنا البعض على الرجوع إلى الله ، والرجوع إلى الحق ، وألا نجعل أحدا ييأس من رحمة الله ، أو من قدرته على الرجوع إلى الحق والصواب بعد أن مال عنه..

فبعد أن بينت الآيات خطأ الزوجتين الكريمتين ، وعتاب الرسول لزوجته على إفشاء السر ، فتح الله لهما بابا للتوبة والرجوع عن الخطأ ، وحذرهما من الاستمرار على الخطأ وهو التظاهر على الرسول صلى الله عليه وسلم والتعاون عليه كزوجات ، فإن كنّ متعاونات عليه فالله تعالى هو عون نبيه ثم جبريل ملك الوحي وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما هما عون للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك صالح المؤمنين كلهم مظاهرون له ، واشتمل التحذير تنويها بالعقاب الذي من المحتمل أن يحدث،، إذا لم يخترن التوبة فقد يقع الاستبدال ، ويزوج الله نبيه نساء فضليات أخريات غيركن ، ولكن أمهات المؤمنين كنّ خير نساء الأمة اخترن الآخرة الباقية على الدنيا الفانية وفضلن رضا الله ورسوله على ما سواهما .

كيف أستفيد كمربي أو رب أسرة من هذه القصة من قصص بيت النبوة؟

إذا أخطأ الطرف الآخر خطأ ً لا يستقيم معه التغافل ويستلزم النصح والعتاب فلابد من اتباع الهدي التربوي الوارد في الآيات ، بأن تفتح للمخطئ بابا للرجوع وتعطيه فرصة لتصويب الخطأ والتزام الحق ولا تجعله ييأس من حاله ويجلد نفسه ، فالغرض من النصح والعتاب هو التوجيه إلى الخير والكف عن الشر ، وكما سبق وعرفنا أن التربية تكثير خير الشخص وتقليل شره ، لذلك يجب أن يشعر المخطئ أنه ليس شخصا منبوذا سيئا ، بل هو شخص طيب فيه خير يستطيع تصويب ما حدث من خلل ويرجع إلى صورته الأصلية الطيبة ..

ومع ذلك يجب أن يقترن الترغيب بالتحذير والترهيب من عاقبة عدم الرجوع إلى الحق ، فتقول قد يكون العقاب كذا وكذا إذا أصررت على الخطأ...

كما ينبغي أن يوصل المربي إلى أفهام من هم دونه معنى العقاب ، فالعقاب رادع عن الشر ، يهدف إلى مصلحتك ، يجعلك تعيد حساباتك وتقيّم أفكارك ، ولا يصح أن يأخذ العقاب شكل الانتقام والانتصار للنفس من جهة المربي.

اللهم اجعلنا مفاتيحا للخير مغاليقا للشر