رحلةٌ أذكرها بحب و شغف ..
رحلة دامت أكثر من ثمانية عشر سنة و لم تنته ..
كنت قد حفظت المعوذتين و الفاتحة و الإخلاص و أنا في سن الثالثة .. لم تكن حروفي قد نضجت بعد ومع ذلك نجحت ...الأمر الذي دفع أمي للتفاءل و تظن بي نبوغا ..
و أنا في سن الرابعة تم توجيهي صوب المدرسة القرآنية للجامع الكبير و هي مدرسة تبعد بضع خطوات عن منزلنا .. كل شيء كان فيها جميلا عدى شيخي !
عانيت الأمرين معه إذ بدل التشجيعات أهداني قساوةً و بدل الإعتذار عقابًا .. فكنت أكرر معه السورة مرات و مرات ..
بعد عامين من التزامي لم أسطع معه صبرا و فررت من المسجد ذات يوم بعد عقابٍ قاسٍ ..
في طريقي نحو المنزل يومها كنت حاملة هم بلد بأكمله إذ أتخيل ردة فعل أمي من جهة و حلا ترقيعيا للمصيبة التي ارتكبتها !
دخلت المنزل بنفسية منهزمة باحثة عن مقدماتٍ طلليةٍ أفتتحُ بها حديثي , مستحضرة دموعي لإضعاف أمي في حالة عدم تفهمها وضعي.. فإذا بها تسبقني قائلة : فاطمة لن تذهبي إلى المسجد مجددا و سنغير مدرستك !
أنا بتعجب : لماذا ؟
أمي : لأننا سنغير مكان سكننا ..
رغم صغري و رغم كرهي لشيخي بكيت على طريق وسيم الهستيرية .. سأشتاق مسجدي !
انتقلت إلى الحي الجديد .. انقطعت عن المدرسة القرآنية .. لم يعد يربطني بالقرآن سوى امتحان مادة العلوم الإسلامية ... و أصبح فؤادي فارغًا حزينًا !
كنت أرى شيخي في المنام ليلة كل امتحان يوبخني و يحذني من الخطأ " إنه القرآن يا فاطمة" ..درجة أنني أصبحت أفضل ترك فراغ على ورقتي بدل آية أخطأ في تشكيلها -مع هوسي بالعلامات - .. طبعا فشيخي يقول الخطأ في الشكل يعني الكثير الكثير !
في صباح يوم من أيام الخميس .. أتتني إحدى صديقاتي و عرضت علي الذهاب رفقتها إلى المدرسة القرآنية لمدرسة الإصلاح و الإرشاد ..و هنا عاد النبض إلى قلبي من جديد !
استيقضت باكرا بحثت عن حجاب ساتر لجسدي الصغير ..غطاءٍ لشعرِي.. طالبت بمصحفٍ خاصٍ ليكون رفيقِي في رحلتي و انطلقت ..
شعور غريب انتابني و انا في أول حلقة حفظٍ بعد طول غياب .. لم أستطع التحكم في دموعي فبكيت و أنا أحفظ أول آية من سورة الملك !
بعد فراغنا من الحصة كان آخر كلام لأستاذتنا .. لا بد للمقبل على حفظ كتاب الله أن يهتم بصلاته ... هيا فلننطلق جميعا نحو مسجد عمر !
بعد تبارك و القلم ..بدأت أشعر بالملل ..أريد أن أحفظ القرآن كاملا لكن الوتيرة ضعيفة جدا وإن أكملت وفقها لن أختم القرآن طول حياتي .. و خلق الإنسان عجولا !
فانقطعت عن الإرشاد بحثا عن مكان آخر ..
لأجدني قد انقطعت عن الحفظ ...
كانت أمي توصيني بقراءة صفحة من القرآن يوميا فتخليت عن الأمر أيضا و اكتفيت بسورة الملك كل ليلة قبل النوم فقد سمعت أنها الناجية ليوسوس لي الشيطان بعدها و يقول لي المهم أنك تحملينها في قلبك و بالتالي فتأثيرها تأثير قراءتها ..
كانت أخبار الحفظة تجعلني أبكي بحرقة و حرقة الحفظ تكبر معي يوما بعد يوم دون معرفة للطريق ..
ومع تشجيعات أمي كان الشيطان ينسيني , حب اللعب يلهيني و التفوق الدراسي يشغلني ..
و بعدما أصبحت زوبعتي الداخلية واضحة أمام الجميع تم تسجيلي في مدرسة الإرشاد مرة أخرى ..
انطلقت رحلة مرة أخرى ...
حفظت سورا من ربع يس ثم امتحان التعليم الإبتدائي ..
أكملت السور المتبقية منه ثم عطلة الصيف ..
و مع دخولي إلى المتوسطة .. انقطعت !
هذه المرة انقطاعي سبب فراغًا كبيرًا و أكبر من ذي قبل ..
و مع أنني التزمت ترتيل الصفحة من القرآن يوميا كان الحنين يشدني دوما إلى '' أحباب الله" فوجي في حلقة القرآن ..
بين مدارس الإرشاد ..الجامع الكبير ... مسجد الرحمة ... مسجد عثمان بن عفان ... مسجد عمر بن الخطاب ... و مسجد بلال تشتت حفظي !
و بين أحكام حفص و ورش ... ضاعت أحكامي !
عام البكالوريا ... و مع انتهاء آخر امتحان ...قابلت أستاذة قرآنٍ فعادت لي الحياة مجددا !
ومع أن الفترة حساسة ..معروفة بدخول الناس في دين الله أفواجًا لم أكترث للانتقادات و مضيتُ حاملةً نيتي .. أقبلت بكل حب و سعادة و شغف لمراجعة حفظي مع أستاذتي ضاربةً سُخريات أختي عرض الحائطِ..
أحرزت تقدما واضحا ... و كنت بصدد المشارك في مسابقة .. لكن .. توفيت جدتي !
توقفت عن الحفظ مرة أخرى .. و عشت التيه مرة أخرى !
البعد و القرب و اختلاف الشعورين ... مخطط الحياة !
داء و دواء و أمر محسوم ...
دخلت الجامعة ...
لم يعد هدفي ختم كتاب الله لأجل أن أكون خاتمة و فقط ..
و لم أعد أبحث عن القرآن لأجل تلك الراحة التي يمنحني ...
بل أصبحت أتلذذ قراءة الآيات و أستمتع بخطابات الإله ..
لم يعد لي هدف تجميع الأثمان و الأرباع بل أصبح لي هدف العيش بالآيات ..
كنت أتعجب حال الصحابي الذي قام الليل بآية واحدة لكني ما عدت أفعل .. أصبحت أكتفي أحيانا بقراءة آية واحدة و الإبحار فيها ...أكتفي بقراءة نفس السورة عند الألم و استنبط منها الكثير من الدروس و المعاني ... أصبحت أبحث عن الرسالة في كل آية و أجبر بها كسري .... أصبحت أجد في مصحفي القوة الأمن و الأمان الطمأنينة السعادة و راحة البال ... أصبح مصحفي دليلي في سفري و منتشلي من الأزمات ..

كنت أريد ختم كتاب الله في أسرع وقت لكني لم أعد أريد ذلك ...

كنت أبكي و أتدمر إذا نسيت لكني أصبحت بكل حب أكرر ...
كنت أحفظ دون اهتمام بالتثبيت لكني أصبحت أثبت أكثر من الحفظ ...
كنت أتدمر من شيخي لكني سعيدة لأني كنت تلميذته يوما ..
و كنت أخاف زوبعاتي لكني اكتشفت أنها كانت طريق نحو مسار جميل ...
كنت أريد الحفظ إسعادا لأمي و أبي لكني أصبحت أريد تاج الوقار لوالدَي و برا بهما ...
كنت أنتظر اليوم الذي أتوج فيه كما كنت أشاهد في التلفاز لكني أصبحت أريده سرا بيني و بين ربي ...
تسألني أمي : كم تبقى لك و تختمين .. فأجيب : دهرا يا أمي دهرا !
رحلتي مع القرآن لن تنتهي حتى تختلط آياته بدمي و عظمي .. و لن تنتهي !
ستبقى حلقاته أطيب أيام عمري .. و بركته أجمل بركة قد تزين دربي !
بذنوب مثقلة مضيت دربي و مع كل محطة تغسل آيات ربي سواد قلبي .. و كإيمان متجدد يتجدد العهد ... فاللهم الثبات !!
كثيرون هم من ينتظرون خبر تتويجي ..
كثيرون هم من ينتظرون و بحب ...
لكني لنفسي قد وعدت ..
و امام ربي تمنيت ..
و بجرعة إخلاص أتمنى أن أكون قد فعلت ..
يوم أحمل القرآن في قلبي كاملا ..لن يسمع الخبر أحد .. لن يزين الخبر مواقع التواصل الإجتماعي .. و لن ينشد لي أحد .. لن يشاركني الفرح أحد ..
بكل طمع .. سأعيش البهجة وحدي .. عبثا سأخبر أمي هنيئا تاج الوقار ..
في جوف تلك الليلة سأتوج في عرس لن يشهده سكان الأرض ..
أنا .. و الملائكة .. و رب السماء !
سأردد دعاء الختم و الملائكة ورائي : " آمينا .. آمينا " ..
اللهم بلغنا 🌸