يقول الله سبحانه وتعالي في كتابه العزيز: (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). صدق الله العظيم [البقرة:237].ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه؛ فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه(. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم [أخرجه النسائي، وصحَّحه الألباني].

فما هو الإهداء وما دوره فى العمل الأدبى؟

يُفضل بعض الكُتَّاب صدور مؤلفاتهم الأدبية، بإهداء خاص، يسطرونه في الصفحات الأولى من كتبهم، "عتبات النص” هى كلمات حميمية وودودة، يحرص مؤلفو الكتب على تقديمها لأساتذتهم أو أسرهم أو أصدقائهم المقربين، أو جمل أخرى موحية بالحكايات أو القصص التي سيقدمها متن الكتاب.

يقول الدكتور معجب العدواني في كتابه « تشكيل المكان وظلال العتبات": تتجلى العتبات بوصفها تلك العلامة التي تحيل إلى واقع، إذ نخطو عليها من الخارج إلى الداخل، وهي أشبه بعتبة المنزل التي تربط الداخل بالخارج، وتوطأ عند الدخول، المكان الذي لا غنى عنه للداخل إلى المنزل، في حين لا يمكن لذلك الداخل أن يطأ كل جوانبه حتى يثبت دخوله فيه".

ومن خلال خبراتنا في الأبحاث العلمية ينبغي أن نُشير إلى مدى الأهمية التي يتمتع بها ذلك الجزء، الذي يُعَدُّ بمثابة بداية الرسالة، حيث يتم وضعه مباشرة بعد صفحة الغلاف التي تتضمَّن عنوان البحث أو الرسالة، واسم جهة الدراسات العُليا، وبيانات الطالب، وأسماء المسؤولين أو المُشرفين الأكاديميين.

كتب بلال فضل “في أحضان الكتب” إهداء: “إلى أحب بقاع الدنيا إلي، إلى تحويشة عمري وبهجة زماني وشريكة صباحاتي وونيسة ليالي ورفيقة ضهرياتي، إلى مغنيتي عن سؤال اللئيم وصحبة الأنذالإلى مكتبتي أمد الله عمري في أحضانك”.

وعندما تتصفح كتاباً، لا يمكنك أن تهمل الإهداء المدوّن في صفحاته الأولى، إنه يشبه المقبلات التي تفتح شهيّة مواصلة القراءة. فبيـن دَفتـّي كل كتاب توجد حديقــة، وقبل أن نتنزه فيها تصادفنا وردة معلقة على الصفحات الأولى، هــي "إهــداء" المؤلف في كلمات مُختصرة مُعبــرة، لأشخاص يحددهم هو ، ووفقاً لما تنسجه رغباته وذائقته. ومن المعروف أن فن اهداء الكتب يمتد عميقاً في جذور الحضارة الإنسانية، من هوراس وفيرجيل وسقراط. ومعظم المؤلفين حرص على إفراد صفحة للإهداء. فهي تساعد على إضاءة الكتاب.

ربما تبدو محاولة فهم دوافع الإهداءات لدى المؤلفين، مهمة صعبة ومعقدة، وذلك لتعدد الأهداف والمقاصد الكامنة في نفوس المؤلفين. يمكن للإهداء أن يختزل جهد الكاتب والغرض الذي من أجله ألف الكتاب. وأحياناً يستنجد الكتّاب بالآخرين من أجل كتابة إهداء لكتبهم.و يبقى الإهداء أمرا ذاتيا بحتا ومساحة خاصة للكاتب، وبوابة تدل على طريقة تفكيره، وغير محكوم بضوابط فنية أو منهجية.

وهناك عدداً من الدوافع المتباينة لكتابة الإهداء: كالتحدي، التقدير والإعتراف بالجميل، الإعتذار، المصلحة المالية، الدعاية، العتاب وإظهار الإنتماء، وغير ذلك.

ويرى الكتاب أن لغة الإهداء ومستواه البلاغي والحسي، يتوازيان مع المحتوى العلمي والأدبي للكتاب ذاته قوة وضعفاً، ويمكن من خلال مطالعة الإهداء، التوصل إلى انطباعات عديدة عن مؤلف الكتاب، من ناحية طباعه الشخصية، وعلاقاته الاجتماعية، والحالة النفسية للكاتب أثناء تأليفه للكتاب أو بعد فراغه منه. فالبدايات الرائعة حتمًا سوف تُفضي إلى نهايات أروع.

وهناك مؤلفون لم تنجح كتبهم نفسها في الإنتشار، لكن إهداءاتهم تستعصي على النسيان، ما يمنح الإهداء مكانة خطيرة قد تؤمن للكتاب مساحة من ذاكرة القارئ ووجدانه، رغم ضآلة عدد حروف الإهداء مقارنة بالكتاب. كذلك المؤلف الذي كتب في صفحة الإهداء: "إلى زوجتي وأبنائي.. لولاكم لانتهيت من هذا الكتاب قبل سنتين".

والإهداءات تتمثل بثلاثة أنواع هي : الأول - الإهداءات التقريرية التي تتصف بالإنشائية وتوجه للأشخاص الذين لهم مكانة او اسهموا في تقديم خدمة او خدمات للكاتب , والثاني الإهداءات المفتاحية أي انها مفتاح تمهد للمتلقي للتعامل مع النص وهي من أنجح الإهداءات.اما الثالث فهو ذاتي مصدره الكاتب , وهذا قد يكون فيه مأخذ بانه نوع من النرجسية ويكون اكثر قبولاً في الأعمال الإبداعية من غيرها من الكتب والمؤلفات في حال تمت صياغته بشكل ابداعي غير مباشر او خادش.

وهناك اهداء كتاب ( ذكريات سمين سابق ) للإعلامي تركي الدخيل الذي يتحدث عن تجربته في التخلص من السمنة فيقول: إلى الميزان، بأنواعه الإلكتروني منه، وذي المؤشر الأحمر! أيها الصامد أمام أوزان البشر، يامن تتحمل البدين منهم والنحيف، يامن تصبر على ثقل دمهم قبل ثقل أجسادهم، إلى الذي طالما أبكاني وأفرحني، يامن أحسن رسم البسمة على محياي، يامن انتزع مني تكشيرة، أو غرسها في وجهي، إليه وقد أصبح جزءا لا يتجزأ من يومي،ويوم الملايين من البشر، شكراً لك على تحملي يوم كان ينوء بحملي العصبة أولى القوة، ذكرى وفاء وامتنان وتقدير.

إهداءات الكتب متن آخر لا يقل في أدبه عن مضمون الكتاب، خاصة إذا كان ذا دلالة، بعيدا عن التقليدية، وهذه الفكرة ليست جديدة في الأدب العربي، فقد عُرفت مؤلفات منذ العصر العباسي أهداها مؤلفوها إلى بعض الخلفاء في ذلك العصر.

ومن الإهداءات للبلدان إهداء أحلام مستغانمي لكتابها «الكتابة في لحظة عري» للجزائر قائلة:» لأنني لم أمنحك غير الكلمات، تذكري أنني أحبك جدا، إنني أشعر أحيانا بالخجل وأكاد أطلب منك العفو؛ لأنني لا زلت على قيد الحياة ولست ضمن قائمة الشهداء، إليك يا جزائر أمنح سنواتي الإحدى والعشرين، في عيدك الواحد والعشرين.

فاللغة العربية التي يجب أن يستخدمها الباحثون أو الباحثات عند كتابة الإهداء في البحث؛ ينبغي أن تكون ذات طبيعة أدبية إبداعية، ويُمكن أن يستعين الباحث في ذلك بالصور البلاغية المُتنوِّعة، والمُحسِّنات البديعية المُنمَّقة، والأكثر من ذلك إمكانية كتابة جُمل شعرية.

يقال إن الأصفهاني، الذي استغرق في إنتاج كتابه الأغاني خمسين عاماً، أهدى كتابه بعد أن فرغ منه إلى سيف الدولة الحمْداني، فأعطاه ألف دينار، ولما سمع الحاكم ابن عباد ذلك ذكر أن المبلغ زهيد، فأرسل إلى الأصفهاني ملتمساً نسخة من الكتاب مقابل ألف دينار أخرى، فأرسل الأصفهاني له نسخة منقحة قبل أن يوزع الكتاب في العراق.

وختاماً أذكر قول العجيلي: "لا أحبّ الإهداءات المعقّدة والطويلة، وقد وضعت إهداءات أعمالي الأكاديميّة أو الإبداعيّة، تعبيراً عن امتناني لأشخاصّ معيّنين، ألهموني، أو ساعدوني على الكتابة، أو غيّروا مساري أو مسار العمل نحو الأفضل، وأحبّ أن أذكرهم بأسمائهم. هناك إهداءات غائبة في كلّ كتاب، إنّها لأشخاص صنعوا شيئاً إيجابيّاً، بقصد أو من غير قصد، لي أو لعملي، لا أعرف أسماءهم أحياناً، وأحياناً تكون ثمّة مسافة لا أريد رأبها بيني وبينهم، لأنّ العلاقة معهم صنعها خيالي، وليست علاقة وقائعيّة، ولو خصصتهم بالإهداء سيجدون الأمر غريباً وليس له تسويغ منطقيّ، لكن هكذا هم الكتّاب، يعيشون في عالم جلّه من صنع تصوّراتهم."

ويقول الشاعر (عبد العزيز بن سلمان):

لأشـكرنك معروفًا هممتَ به إن اهتمـــــامك بالمعروف معروف

ولا ألومك إن لم يُمــضه قدرٌ فالشيء بالقدر المجلوب مصروف