يوميات كرة القدم

طارق السكري

31 مارس 2019

دعوني اليوم لا أحدثكم عن الشعر ولا الشعراء بل عن تلك الأصقاع المجهولة في وجدان الإنسان

عشقنا للأشياء الذي لازال ممتدا من الصغر حتى الآن .. برَّاقاً كألوان الفراشة

منظر كرة القدم وهي تدور حول نفسها بسرعة متهجة إليك كأنها كوكب صغير تدور من حوله الأشياء ..

صوت المدرّجات الذي يجعل كل ذرة في الجسم تتحول إلى ألعاب نارية تنفجر في الهواء ، أو إلى خيول تركض في الرياح .

الحماس .. القوة .. الحيوية هذه المعاني المُكَهْرَبَة هي أول ماتنطبع في ذهنك عندما ترى ذلك العشب الأخضر ممتداً بين عينيك . ذلك المنظر الذي تحس فيه أن أقدامك قد أصابها مسٌّ من الجن فتشعر بها تهتز وتنتفض .. شيءٌ ما يدفع أقدامك الآن لأن تطير .. لأن تحتضن أرضية الملعب .. لأن تشمُّ طعم التسديدة .

ليس هناك في التاريخ أكثر شهرة من كرة القدم .. الساحرة المستديرة كما يسميها فارس عوض

إنها الموسيقى التي يعزفها الجميع

هل تتخيل نفسك وأنت في هذه الأجواء وتأتيك الكرة مرتفعة من بعيد .. تدور .. وتدور معها الأصوات والعيون والأنفاس ، هَا هيَ تقترب منك . هَا أنت تقفز بهدوء مترنحاً قليلاً إلى الوراء لتستقبلها بثبات فتدق في صدرك فترتدّ نازلة إلى قدميك ببطء تام !

أتخيل صوت ارتطام الكرة بصدر اللاعب الماهر كأنه صوت نغمة الصٌّول القرار عندما يبدأ المطرب بأول تقاسيمه على آلة العود .

وكما في الشعر تعتمد الصور الفنية فيه على الإحساس العبقري ، كذلك في كرة القدم يعتمد فيه إيقاعها والتحكم في اتجاهاتها الإحساس العبقري أيضاً !

وكما أن الشاعر المتميز يعتمد على جهازه اللاقط في كتاباته الإبداعية ، فكذلك اللاعب المتميز يعتمدعلى جهازه اللاقط في لمساته وتمريراته !

كرة القدم لا تعتمد فقط على اللياقة البدنية والتدريب العميق بل تعتمد في الأساس على إحساس اللاعب الملهم بها .. إنها أشبه بالقصيدة الحلم

القصيدة التي لم تكتب بعد ، فتظل تنشر غلائل من نور أمام أعين الشاعر كأميرة فاتنة ثم تغيب في الأحلام .