يا رفيق، نحن ننسى...بطبيعتنا ننسى، حتى تلك الأشياء الأكثر التصاقًا بأرواحنا ننساها، وننسى مشاعرنا كذلك أو ربما نتناساها لا أدري، ولكن على كل حال نحاول أن نفرغ أنفسنا مما تحمله من أحاسيس، نفر منها ومنَّا إلى اللامكان، إلى وحدة لا متناهية، أليس من الغريب أننا نخاف الوحدة ونطمئن إليها في الآن نفسه! كيف يمكن لخوفك أن يكون مأمنك؟ وفرارك من شيء هو مطلبك؟ كيف تجتمع تلك المشاعر المتناقضة إزاء نفس الشيء؟ تلك الوحدة التي تستقطب أرواحنا استقطابًا وتنفرها كذلك، ما عساها تفعل بنا؟ 

يا رفيق، قالوا لنا الوحدة خير من جليس السوء، بالطبع هذا صحيح ولكن ماذا إلَّم نجد رفيقًا أصلًا أيا يكن؟ ماذا إن أُجبِرنا عليها راغمين؟ ماذا إن أكلت قلوبنا بوحشتها القاتلة؟ ماذا إلَّم يكن لدينا الخيار بين الوحدة وأي شيء آخر في هذا الكون المتسع؟ لا تبتئس هكذا أعلم أنك موجود دائمًا وأنت تعرف ماذا أقصد.

يا رفيق نحن نجاهد لنمنع أنفسنا من البكاء، حتى هو الآخر أصبح عبئًا، حينًا نغلبه وأحيانًا يغلبنا، وحين يفيض بنا الكيل لا نلبث إلا أن نطلق العنان لعيوننا وقلوبنا وأرواحنا لتتخفف مما تحمله من أثقال، فيفيض بكاؤنا حتى يزاحم المحيطات، وتعلو صرخاتنا حتى تطاول وحوش البرية، وتتصدع قلوبنا حتى تشابه تصدع الصخور، وتتمزق أجسادنا إلى أشلاء حتى تُجارِي تمزق القماش البالي المهترئ، نقضي على أنفسنا بأيدينا لنذوق وبال أمرنا.

يا رفيق قيل أنه "حين لا يكون لك عدوًا فإن وحدتك هي عدوك" صدق قولهم، ولكن أنت من بيدك الخيار قد تكون هذه الوحدة هي أعتى أعدائك وأشدهم فتكًا وقد تكون أوفى أصدقائك وأقربهم مودة، ولكن للأمانة فقط الاحتمال الثاني ضعيف إلى حد كبير، في الحقيقة قد يكون سبب الجوء إلى الوحدة هي أننا نخشى الخذلان، نخشى الهجر والبعاد، نهجر لكي لا نُهجَر، نعتزل الناس قبل أن نُعتزل، نبكي قبل أن يُبكى علينا، نحصي الأيام قبل أن تُحصى علينا، نهرب قبل أن يفر الناس منا، نخشى يا رفيق...

لا أحد يشعر بك، لا أحد يشاطرك حزنك، لا أحد يعرف قدر الألم بداخلك، لا أحد يشعر بالبركان الثائر في جوفك، لا أحد يبصر إظلام قلبك، لا أحد يا رفيق سواك أنت، أنت من تعرف كل شيء عن نفسك التي بين جنبيك، أنت وحدك من تستطيع ترميمها، أنت وحدك من بيده برها، أنت وحدك من تجيد قوامها، لا أحد غيرك يا رفيق، كن لنفسك كل شيء ولتبكِ...

٢٨-٢-٢٠٢٠