لقد فقدتها، تلك الطفلة التي كنتها يومًا ما، كانت تأبى الرحيل وتتمسك بي بشدة ولكنني فقدتها هكذا بكل بساطة، لم أكن أعرف ما الذي يدفعها لهذا التمسك! ما الذي يمنعها من الرحيل! الجميع يرحلون لمَ تبقى هي؟
لم أكن أقدِّر أن هذه الطفلة أعلم وأدرى مني بي، لم أكن أدرك أن تمسكها كان من أجلي لا من أجلها، هي تستطيع الاعتناء بنفسها جيدًا أما أنا فلا، لا أستطيع أن أفعل شيئًا بدونها، عاجزة بعد رحيلها هي الأخرى، أصبحت وحيدة تدمن الجنون، الجنون الذي ينتشلني من كآبة الواقع، الواقع الذي يجلدنا بسياطه دون رحمة، الرحمة التي فقدناها وحُرمنا منها منذ زمن، الزمن الذي نشعر أنه ليس زماننا لكننا مضطرون للعيش فيه...فلتبكي إذًا فلا مخرج إلا هو، أطلقي العنان لعينيك وأغرقي وسادتك بالدموع، ولكن بصمت؛ فالعالم بالخارج لا يريد أن يزعجه نحيب قلب مفطور، ابكي بصمت.
يا رفيق، أتذكر يوم حكيت لك عن الطفلة التي تسكنني أو أسكنها على وجه التحديد؟ أتذكر حيرتها بين الوجوه؟ أتذكر براءتها ورقتها وذاك الجمال الذي سكن عينيها يومًا ما؟ ذلك النقاء الذي اصطفاها عن الجميع فنبذها الجميع؟ أتذكرها؟ لقد أحبتك كثيرًا، كنتَ نجمها اللامع، وشمسها الساطعة، وقمرها المتألق، أتذكرها؟ لقد تركتُها ترحل، إلى أين؟ لا أعرف، هل ستطيل الغيبة؟ لا أعرف، هل تنوي العودة؟ لا أعرف أيضًا، رحلت في صمت كما عاشت بداخلي في صمت، أذكر فقط نظرتها إليَّ قبل أن ترحل، تلك النظرة التي امتزج فيها الحزن واللوم والعتاب ودمعات صامتة تهدرت على وجنتيها، ثم رحلت ولم تلتفت، أعتقد أنها فقدت الأمل فيَّ، لا أدري لمَ لم أوقفها وأمنعها من الرحيل! كيف تحجر قلبي إلى هذا الحد! لم تفق فيَّ ذكرى واحدة تجعلني أتشبث بها، لمَ تركتها؟ لا أعرف.
يا رفيق، نادمة أنا ومعترفة بذنبي، غارقة في الوحدة بعد رحيلها، أذكر أيامي في وجودها، أذكر الضياء الذي كان يشع من روحي وكانت هي مصدره، ثم أنظر إلى انطفائي اليوم وأبكي.
يا رفيق، الوحدة وحش يزداد ضراوة يومًا بعد يوم، الوحدة بئر يزداد ظلامًا يومًا بعد يوم، الوحدة جرح يزداد عمقًا يومًا بعد يوم، الوحدة نار تزداد اشتعالًا يومًا بعد يوم، يا رفيق، الوحدة موت بطيء ونحن الضحايا، فلنمت في صمت ولندفن في صمت؛ فالحياة ليست لنا على أي حال، وداعًا يا رفيق...
٢٨-٥-٢٠٢٠