فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي البَدْرِيَّةِ..

غَابَ عَنِّي القَمَرُ!!


فَتَّشْتُ عَنْهُ فِي كُلِّ غُرْفَةٍ مِنْ غُرَفِ السَّمَاءِ فَلَمْ أَجِدْهُ..!!


سَأَلْتُ عَنْهُ النَّجْمَاتِ.. فَأَخْفَيْنَ خَبَرَهُ عَنِّي!!


قُلْتُ:

لَأُعَاتِبَنَّهُ عِتَاباً شَدِيداً، أَوْ لَأَهْجُرَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ..!!


فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ..

بَدَا شَدِيدَ البَهَاءِ.. حَاشِدَ الأَنْوَارِ.. طَاغِيَ التَّأَلُّقِ..

كَتَمْتُ فِي نَفْسِي إِعْجَاباً بِطَلَّتِهِ وَهَيَاماً بِجَمَالِ اكْتِمَالِهِ..

صَحْناً نُورَانِيّاً عَظِيمَ الجَلَالِ..!!


دَنَا مِنِّي.. فَاصْطَنَعْتُ الغَضَبَ..

ثُمَّ اسْتَرْضَانِي.. فَرَضِيتُ..!!


قَالَ:

مَا شَغَلَنِي عَنْكِ إِلَّا أَمْرُ سَحَابَةٍ.. أَتَتْ مَجْلِسِي يَوْمَ أَمْس!!..

فَحَجَبَتْنِي عَنْكِ..


لَكِنَّهَا أَسَرَّتْ لِي حَدِيثاً جَمِيلاً.. مَا أَخْتَصُّ بِهِ أَحَداً غَيْرَكِ..

وَبِهِ فَسَّرْتُ مَا حَارَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِ..!!


قُلْتُ: زِدْنِي!!


فَقَالَ:

أَتَعْلَمِينَ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَمْرِ المَطَرِ؟!

إِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ السُّحُبَ تَتَعَارَكُ سَوِيّاً وَتَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا فَتَتَصَدَّعُ وَتَنْهَارُ وَيَسِيلُ مِنْهَا القِطْرُ..

وَأَنَّ الرَّعْدَ صَوْتُ صُرَاخِهَا، وَأَنَّ البَرْقَ بَعْضُ سِلَاحِهَا!!

أَمْسُ.. عَلِمْتُ كَمْ هُمْ ظَالِمُونَ بَنُو البَشَرِ!!

أَمْسُ فَقَطْ.. عَلِمْتُ كَمْ هُمْ مُخْطِئُونَ!!


قُلْتُ: وَكَيْفَ؟!


قَالَ: أَسَرَّتْ لِيَ السَّحَابَةُ.. فَقَالَتْ..:

جُعِلَتْ لَنَا السَّمَاءُ مَسْجِداً وَطَهُوراً.. فَأَيْنَمَا كَانَ جَمْعٌ مِنَ السَّحَابِ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ.. اجْتَمَعَ فَصَلَّى..!!

وَلَنَا فِي الصَّلَاةِ إِمَامٌ آتَاهُ اللهُ العِلْمَ وَالنُّورَ وَاسْمُهُ بَرْقاً.. يُصَلِّي بِنَا.. فَنَخْشَعُ.. وَيَنْسَابُ الدَّمْعُ مِنْ عُيُونِنَا وَنَحْنُ سُجَّداً..!!

فَمَا المَطَرُ إِلَّا دَمْعُ السَّحَابِ الخَاشِعِ للهِ يَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخْشَى عَذَابَهُ، وَمَا الرَّعْدُ إِلَّا فَرْطُ نَشِيجِ الجَمْعِ المُصَلِّي، وَمَا البَرْقُ إِلَّا إِمَامٌ عَلَّمَهُ اللهُ وَنَوَّرَهُ وَمَكَّنَهُ..!!..

فَتَارَةً يُصَلِّي بِهِمْ إِمَاماً وَتَارَةً يَشُقُّ صُفُوفَهُمْ وَاعِظاً مُتَفَقِّداً.


هَلْ عَلِمْتِ الآنَ أَيَّةَ طَهَارَةٍ وَنَقَاوَةٍ سِيقَتْ إِلَيْنَا مَعَ قَطَرَاتِ المَطَرِ؟!

وَأَيَّ خَوْفٍ وَخَشْيَةٍ يَنْبَغِيَانِ لَنَا عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ الرَّعْدِ؟!

وَأَيَّةَ خُضُوعٍ لِأَمْرِ اللهِ وَجَبَ عَلَيْنَا حَالَ رُؤْيَتِنَا لِلْبَرْقِ؟!


جَعَلْتُ أَقُولُ: الله الله الله!