لم يخطر على بالي يوماً أني سأضطر للبقاء حبيسة المنزل لأيام لا أذكر عددها، وأني سأنظر عبر نافذتي إلى شوارع تصطف فيها سيارات مغطاة بالغبار لطول انتظارها لأصحابها؛ شوارع تخلوها البشر ولا يُسمع فيها إلا صرير الريح.

أيام تحملتها صغيرتي بين جدران البيت تتساءل عما يجري في العالم حولها.

إنه الحجر المنزلي الذي دام لأشهر في ظل جائحة كورونا!

الحجر الذي انتهى بالسماح بالخروج المشروط بارتداء الكمامة والتباعد لمسافة آمنة وعدة تدابير أخرى.

تباينت ردود أفعال البشر بين معارض لفرض ارتداء الكمامة ورضا تام عن هذا القرار.

فترى كيف كان أثر فرض ارتداء الكمامة من الناحية النفسية؟


لماذا فرضت الدول ارتداء الكمامة؟


في جدل دام طويلاً حول ارتداء الكمامة للحد من انتشار الفيروس أم لا، صرحت منظمة الصحة العالمية أولاً أن الكمامة فقط للممارسين الصحيين والمرضى، ثم صرحت مرة أخرى بضرورة ارتداء الكمامة؛ نصحت بتجنب الكمامة القماشية ثم وضعت بعض المعايير التي تجعلها مناسبة.

في نهاية الأمر اتضح أهمية ارتداء الكمامة في الأماكن العامة مع الالتزام بالتدابير الوقائية الأخرى للحد من انتشار الفيروس، ومن هنا بدأت الدول تفرض ارتداء الكمامة وتضع الغرامات على من يخالف هذا.

لماذا يرفض البعض ارتداء الكمامة؟



تعرض العالم لوباء الأنفلونزا الأسبانية في عام ١٩١٨، وبعد فرض ارتداء الكمامة، سمعوا عن دقة حجم فيروس الأنفلونزا، مما يعني أن القطعة القماشية لن تستطيع أن تعيقه. احتج الناس ورفضوا الكمامات؛ احتجزوا ودفعوا الغرامات، وتكرر الأمر في ٢٠٢٠.

  • اختار البعض أن يتجاهل أمر الكمامة بعد تلك الحيرة بين المنظمات الصحية والأطباء؛ فقدوا الثقة فرفضوا الاستماع لهم.

  • ظن البعض الآخر أن شراء تلك الكمية من الكمامات الواقية سيكون مكلفاً جداً وفي المقابل لن تضمن حمايته من العدوى.

  • هناك من فكر أنه صغير بالسن فلن يؤذيه فيروس كورونا، هذا طبقاً للمعلومات التي انتشرت في أول الجائحة بأن المتقدمين بالعمر هم من في خطر.

  • الإنكار، وصل الكثير من أفراد مجتمعنا لحالة من إنكار الأزمة، بل وأكدوا أن فيروس كورونا ما هو إلا أزمة مفتعلة ومدبرة.

  • "الحرية الشخصية"... فكر البعض عبثاً أن فرض ارتداء الكمامة يتعدى على حريتهم.

  • خوفاً من التنمر، وقد سمعنا جميعاً بقصص أشخاص تعرضوا للتنمر عند خروجهم بالكمامة وكأنها علامة ضعف.

  • مشاهدة المسئولين على التلفاز بدون الكمامة، فلماذا علينا أن نفعل؟!

كيف تأثر البشر عند فرض ارتداء الكمامة من الناحية النفسية؟


تأتي الأزمات ولا تمضي دون أن تفعل فعلتها بأنفسنا جميعاً؛ جميعنا سنتأثر ولكن ليس بنفس الوجه ولا بنفس الدرجة.

يمر العالم حالياً بأزمة وباء كورونا Covid-19، وفرض علينا الكثير من التدابير الاحترازية ومنها ارتداء الكمامة. حركنا الخوف بداخلنا بشتى الطرق؛ فماذا كانت ردود أفعال البشر تجاه تلك التدابير؟

اقرأ المزيد عن الطريقة الصحية للتعامل مع الأزمات.

شعروا وكأنهم غرباء

هذا بالضبط ما حدث لعدد من المشاركين في تجربة اجتماعية أجريت في ألمانيا. شعروا وكأن الجميع ينظر إليهم عندما خرجوا إلى الشارع بالكمامة. قل هذا الشعور بعد فرض ارتداء الكمامة على الجميع في الشارع.

أثبتت الدراسة أنه كلما زاد عدد من يشبهك في البيئة المحيطة قل شعورك بالغرابة.

استعادوا شعورهم بالسيطرة

عندما نشعر بالخطر تستجيب أجسادنا بطريقة "الكر والفر" حيث يستثار الجهاز العصبي السمبثاوي.

فسرت دراسة بحثية أجريت في بولندا استجابة معظم المشاركين في أول الأزمة، والذين ظهرت عليهم أعراض القلق والأرق والتوتر والاكتئاب.

الغريب أن تلك الأعراض تراجعت بعد فرض ارتداء الكمامة، وهذا بسبب استعادتهم للشعور بالسيطرة.

تمنوا دوام الحال

لا تستغرب، فهناك فئة منّا يعانون من حالة تسمى "الرهاب الاجتماعي". يشعرون بالقلق والتوتر في معظم المواقف الاجتماعية، وارتداء الكمامة وفّر لهم بعضاً من الحماية، فلن يستطيع من حولهم رؤية علامات التوتر من خلف القناع، فشعروا بتحسن عند ارتداء الكمامة من الناحية النفسية.

صعوبة في التواصل

لا يتواصل البشر بالكلمات فحسب، نسبة كبيرة من التواصل تقوم بها ملامح الوجه.

ألا تقدر الابتسامة على قلب مسار الحديث من مزاح ودود لجدال حاد؟ عندما اختبأ نصف الوجه تحت الكمامة، فقدنا جزء من قدرتنا على التواصل.

ثبت ذلك بدراسة أجريت لقياس مدى رضا المرضى بالتعامل مع الطبيب عندما يرتدي الكمامة، والنتيجة أن المرضى لم يشعروا بأي تعاطف من الطبيب أثناء الاستشارة الطبية.

لقد عبثت بنا أزمة كورونا وفوقها فرض ارتداء الكمامة من الناحية النفسية والبدنية، فحتى لو لم تصب بالعدوى فحتماً أصابك الذعر والقلق والخوف؛ لكنها غمة وستزول بإذن الله.

وحتى تزول سيكون من الأفضل للجميع اتباع إجراءات الوقاية من العدوى وعدم التردد في طلب الدعم النفسي إذا تطلب الأمر.

دمتم سالمين.

المصادر:

https://www.huffpost.com/entry/psychology-why-people-refuse-wear-face-masks_l_5efb723cc5b6ca970915bc53


https://www.who.int/emergencies/diseases/novel-coronavirus-2019/advice-for-public/when-and-how-to-use-masks

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7204728/

https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3584834