لقد نضجت عندما أدركت أن الألم النفسي الذي يتأتى عن المواقف الصعبة ، الانكسارات ، الخيبات ، الفقد ، الخذلان ، الرفض ، انعدام الأمن والحنان ،هو جزء أصيل من الحياة لا تستقيم بدونه ، فضلاً عن كونه وسيلة فضلى للتعلم .

إن الأمر أشبه بالطفل الذي يمد يده للنار فتلسعه ألسنتها ، فيتعلم منذ نعومة أظافره أنه لا يجدر به الاقتراب من النار أو محاولة العبث بها أو معها ، وهذه الطريقة البدائية في التعلم القائمة على تجربة الألم نفسه أحياناً تكون أكثر نجاعةً من تحذير الطفل من الاقتراب من النار ، لأن الحديث عن ألم أي تجربة مختلف تماماً عن تجربة الألم ذاته ، لذلك لا يتعلم بعض الناس من تجارب غيرهم بل يتعلمون من تجاربهم هم بعد أن يكونوا قد خاضوا الأمر وشعروا بالألم الناتج عنه .

مثلاً قد يخبرك أحد بشعور الفقد ويحاول وصفه وشرحه لك ، لكنك لن تدرك مدى قسوة الأمر فعلاً إلا إذا مررت فيه ، ووجد الألم طريقه لقلبك وحفر له خنادقاً وأنفاقاً هناك ، وهذا يعلمك العمل على إقصاء مصدر الألم النفسي ، فلو كان مصدر الألم شعورك بالرفض من شخص ما فالحل هو الابتعاد عن هذا الشخص وعدم اعطائه فرصة لإيلامك أكثر برفضه لك أكثر.

ولو كان سبب ألمك خيبة أو خذلان تعرضت له من شخص عزيز عليك ، فالأفضل أن تجلس مع ذاتك وتحاورها بالخير المُقنّع بلباس الشر الذي طالك ، وأن الألم والحزن الذي اعتراك عندما مُنيت بهذه الخيبة يبقى أفضل بألف مرة من بقاء شخص متثعلب في حياتك ، شخصٌ لا يضمر لك خيراً ولا تعني له شيئاً ، سيكون الأمر قاسياً جداً في البداية وستلوم نفسك كثيراً على انخداعك وعلى إغفالك لجميع المواقف التي كان يُساء لك فيها ، وستقول : كيف انطلى الأمر علي ؟وكيف كنت أبلهاً لهذا الحد ؟؟ لقد كان كل شيء أمامي لكنني رفضت رؤيته؟؟ وستأخذ وقتاً لتستوعب الأمر ، لكنك ستخرج أقوى كثيراً مما مضى ، ستتعلم قراءة الناس ككتب مفتوحة حتى لو لم يخبروك الكثير عن أنفسهم ، ستصبح محنكاً وقادراً على تحديد ما يمكن مشاركته مع الناس وما ينبغي أن تحتفظ به لنفسك ، ستصبح أكثر ولاءً وتقديراً لنفسك ، وعلى معرفةٍ أفضل بضرورة أن يكون هناك اهتمام يُقدّم لك في مقابل الاهتمام الذي تبذله للطرف المقابل ، وأن الذي لا يقف جانبك في شدتك لا يلزمك وجوده في رخائك .

نميل في الطفولة إلى الاعتقاد الساذج بأن الناس والعالم يشبهنا ، يشبه الطريقة التي نشأنا بها ، والأمور التي تربينا عليها ، تكون قلوبنا نقية وكثيرة التسامح ، عندما نبدأ بالخروج والاصطدام في العالم ندرك أنه ليس مكاناً وردياً كما كانت تصور لنا أفلام الكرتون ،وأن هناك الكثير من القبح والشر في كل مكان ، فيبدأ قناع العالم بالتداعي والسقوط حتى نرى العالم على هيئته الحقيقة ، ويبدأ اليأس والبؤس بالتسلل إلى قلوبنا عندما نرى ونسمع عن فظاعة البشر وجشعهم وطمعهم ، ثم ما نلبث أن نرضى بالواقع ونتأقلم معه ونحاول تغييره ولو بأدنى القليل ، والبعض يستكين ولا يحاول أن يفعل شيئاً سوى التذمر من بشاعة الجنس البشري ، ما أود قوله أن الإدراك والحقيقة مرتبطان أحياناً بالألم وليس فقط بالسعادة المحضة.

في الحقيقة كل التجارب السعيدة لا تخلو من مسحات الألم ، فلنبدأ بتجربة مشاهدة أفلام الكرتون في الطفولة ، تبدأ بمشاهدة الفليم وتتعرف إلى قصته وأبطاله وتحبهم ثم تشعر بالألم لدى مشاهدتك لآخر حلقة ... لقد انتهى الأمر ولن تجلس لتفكر في أحداث الحلقة القادمة ... كذلك الأمر عندما تفارق زملاء الدراسة سواء بالمدرسة أو الجامعة ... ستشعر بالفرحة لدى تخرجك ثم ما تلبث أن تتذكر بأنها النهاية وأنك لن تعود إلى هذا المكان مجدداً ،وقد لا ترى أصدقاءك الذين جمعتك بهم المقاعد مرة أخرى ... الضحكات ، الأحاديث ، المواقف ، المراجعة النهائية قبل الامتحان ، لحظات التوتر ... فجأة ينتهي كل شيء!

تتزوجين وتعتقدين بأن الزواج كما في الروايات والأفلام ... وأن زوجك سيغدق عليك عبارات الغزل كالماء المتطاير من خط ماء مكسور ... ثم تصابين بالخيبة عندما تدركين أن الحياة الزوجية فيها نوع من الرتابة والروتين القاتل ... ربما المعنى الأعظم للألم ستشعرين به عندما تنجبين و تشعرين بأن روحك خرجت من جسدك وعادت له من شدة وجع الطلق لتسمعي صوت بكاء ابنك ... ستفرحين بصوته ... لكنك ستبكين على نفسك وعلى الألم الذي لا تستطيعن وصفه من شدته ... ستتألمين عندما تدركين أيضاً أن زوجك يحادث إحداهن وأنه نكث بكل وعوده وكلامه عن أنك أجمل فتاة قابلها ،وأنه يريد إمضاء العمر إلى جانبك ، وأنه لا يرى سواك ... 


إن الألم الجسدي مهم أيضاً لأنه يعمل كجهاز تنبيه و يخبرك أن هناك شيئاً على غير ما يرام ، فمرضى السكري مثلاً وبعد فترة طويلة من المرض أو جراء عدم الالتزام تحدث مشاكل بالجهاز العصبي لديهم وقد يتناقص إحساسهم بالألم وخاصة بأطرافهم ، لذلك أحد السيناريوهات المتكررة أن يأتيك مريض سكري مع جرح متعفن ، لأنه عندما جُرح لم يشعر بالجرح واستمر بالمشي وممارسة نشاطاته ، وقد يكون الجرح عميقاً لدرجة أنه يحتاج إلى تضميد وإن لم يتم تضميده قد تدخل الجراثيم إليه و قد يتعفن ومريض السكري لا يشعر بأن لديه جزء متعفن في جسده، بسبب قلة شعوره بالألم فلم يكن هناك أي شيء يجعله ينتبه لذلك ، في بعض الأحيان يكون الأمر سيئاً جداً ويحتاج إلى بتر!!!

لذلك قام أحد الكتاب بتسمية كتابه ب" هبة الألم" حيث اعتبر الألم منّة وهبة من الله وليس نقمة أو شر مطلق ، جعل الله أيامكم ودياركم مزدانة بالأفراح وعامرة فيها ،وأبعد عنكم الحنق والضيق ،والألم والضنك .