بينَ الناسِ، أنا وأنتَ، نَسيرُ على وُجهةٍ منّا وهائمةٍ منهم، أمرُّ على الرّجال مرَّ العذراء في خِدرها، لا يلفتُني أحدٌ ولو حَاولوا مرةً بعد أخرى، وتمرُّ النّساءُ عليكَ كوِلدانِ عُصفورٍ؛ يصرُخنَ من جُوعِ قلوبهنّ وأنتَ لستَ بأُمهنّ.

وفِي يومٍ مُشمسٍ ككلِّ أيام الصَّيفِ، تحرّكَ قلبِي عن مَكانِه مُقلقًا عَقلِي: يا صَاحِ! أشعرُ بشيءٍ مميِّزٍ آتٍ إلينَا، لا أعرفُ متى لكنّه غريبٌ عندَ النّاس مألوفٌ لدينا جدًّا، ولا تَسألنِي ما هو!

فوقفتُ عن سَيري أندهشُ وعقلِي إلى مَقالِ قلبِي، فعقلِي يعتقدُ أن قلبِي مجنونٌ كعادتِه، وأنا أحاولُ أن أفهمَ كلامَه، حتى مررتَ.

أشارَ قلبِي إليكَ بجميعِ بنانِه، وأقسمَ أنك الشيءُ المميزُ، ودونَ وعيٍ منّي وجدتُني أربِّت على كتفِكَ لتلتفتَ، فإذ بي أمامَ لُغزي المُعقد، وأُحجيتي الكبرى: عَيناكَ.

لفتكَ مظهرِي، مُختلفةٌ عن الباقياتِ، ولفتكَ تَربيتِي إلى أي شيءٍ أروم؟ فحثثتنِي وأنا الخَجولةُ الكَتومةُ، فرأيتُ من لسانِي ما أدهشنِي: يُملي قلبِي عليه الحَديثَ، ويتكلَّمُ دونَ خوفٍ منكَ كأنَّك الرَّفيقُ منذ وقتٍ بعيدٍ.

سادَ الصّمتُ فخِفتُه وظننتُ أنني في مَوقفٍ سيئ، فرفعتُ رأسي إليكَ، فوجدتُ جمعًا في عينيكَ يعبِّر عن بعض الذي شغلَ قلبَكَ حينَها.

رأيتُ الدهشةَ والعَجبَ والسَّعدَ وبَارقةٍ من الحبِّ يلمعون في عينيكَ، فأخفضتُ رأسي سريعًا مُدركةً حجمَ الخطيئةِ التي ارتكبتُها، فاعتذرتُ إليكَ، والتفتُ للرحيلِ، لكنّك أبيتَ على إصرارٍ: ليست خَطيئةً، هذا قَدرٌ، فلا بأسَ عليكِ، وابقي رَجاءً.

تمرُّ السنونَ علينا ونحنُ نتقلّب بين حُبٍ وانبساطٍ، وجَفوةٍ وانقباضٍ، ومتى افترقْنا على رغبةٍ من أحدِنا وكرهِ الآخر عُدنا؛ كأننا بُيوتَ بعضِنا مهما خُضنا خارجَه وبِتنا وأمسينَا، نعودُ دومًا إلى بيوتِنا، دومًا.

مضتْ مُدةً، تذكّرت الكثيرَ مما مررنَا به، الآنُ أقف وراء ظهرِك وأريدُ أن أكونَ أمامكَ، على عَينٍ منكَ ومَقربةٍ عُظمى واهتمامٍ، لكنني وراء ظهرِك، لا تلتفتُ إليّ إلا قليلًا، وقد ... ذَبلتُ.

شعرتَ بحركةٍ وراء ظَهرِك، فوجدتَني أحاول قلقلة قلبي عن مَكانِه لأرحلَ، فأمسكتَ فيّ، وبقلبِي شارحًا ما هو أمامَك في الحياة وما تُواجهه غير عابثٍ ولا ماكرٍ، وأنتِ عِندي كرُوحي، فابقي رَجاء ولا تبتعدِي.

أدرتَ ظهرَك ثانيةً، لا أرى غيرَه، وأحسبُ الظنونَ: لا يُدارُ الظهرَ إلا لقريبٍ محبوبٍ، لا يُخافُ بأسُه ولا بَطشه، وهو مأمونٌ، والحبُّ طمأنينةٌ، فهو مُطمئن لكِ.

ثم تدورُ الظنونُ دورتها: لكنّه ظهرُه، لا وَجهه ولا أمامَه بينَ عينيهِ، أنتِ خلفَه، فقط خَلفَه.

فأتذكّر حديثَكَ، وعينيكَ التي أعرفُ فيهما الصّدق والكَذبَ، فأستسلمُ لعقلِي الذي أملَى عليّ راحتي، وأعدُّ الأيام دونَكَ غير مُباليةٍ مع بعضِ الحزنِ المَدفونِ بحذرٍ.