يَقولُ:

"في غالب الأحيان يرى الناس ذاك الصاعد الناجح شخصًا مثاليًا لا يُمكنُ مُضارعتُه فيما يفعل ولا مضاهاته فيما يمهرُ، يحافظ على نظامه الغذائيّ، يهتم بصحته، يهتم بعائلته، لا يُسقطُ واجبًا في عملِه، يُسعدُ أصدقائه، يفعلُ ما يحبُّ.

في نظرِ الناس هو كاملٌ، مثاليٌ، وهو سعيدٌ!

أخطأوا في جميعِ وجهات نظرهم، وقد اشتدّ خطأهم في الأخيرةِ!

كيف للناس ربط السعادةِ بالشيء الماديّ الملموس والمحسوس؟ لمَ عليّ أن أكون سعيدًا لأنني أهتم بالأقارب والأصحاب؟ لم عليّ أن أكون سعيدًا لأنني ناجحٌ في عملي ويهتم بي المديرُ ولي زملاء عملٍ مفيدون؟ لم عليّ أن أكون سعيدًا لأنك تراني أمارسُ شيئًا ربما كنتُ أحبه؟

لا، لستُ سعيدًا.

أهتمُّ بالأقارب والأصحاب لأنني إذا لم يكن لي أحدٌ قريبٌ أو حتى يعرفني لن يتعرَّف علي أحد حين دفني في قبري، أو حين مرضي أو حين احتياجي، فأبذلُ لهم ما يسعدهم حتى أجمعُ كل ذلك غدًا، وقتَ رحيلي أو احتياجي.

أنا ناجحٌ في عملي لأن هذا ما أعيشُ منه، أتعرفُ كم هو مؤذٍ أن تمدَّ يدَ الحاجةِ لأحدهم فإذا رآك بخيرٍ قال ذاك منّي؟ وكم هو مُخزٍ أن تلبس شيئًا من مالِه وجُهده؟

أتعلم كم هو صعبٌ أن تكون عالّةً على غيرك؟ أن تكون مجرد فاشلٍ مُكتئبٍ لا مجال له في العالم؟ لذلك صنعتُ لي مكانًا واجتهدتُ واستعنتُ باللهِ وحدِه، ونجاحي مصلحة للمدير فلذلك هو متودد إلي مهتمٌ بي، ويرى زملاء العمل ذلك فيحاولون تملقي إن لم يكونوا فاعلين لذلك أصلًا.

(كنتَ تحبُّ الرسمَ، منذ صُغرِك تحبُّ الألوانَ، ما زلتَ موهوبًا للآن لو أنَّك جعلتَ للألوانِ سبيلًا على اللوحةِ)، أرسمُ ما بداخلي، لا لأنني أحبُّ الرسمَ لأنني لا أجدُ غيرَه أسترسل معه في سرد أحزاني وأوجاعي.

رُغم أنني أبذل الحب واللطف والاهتمام للأهل والأقارب إذا حزنتُ وذهبتُ لأحدٍ منهم لأعالج عندَه ما ألمَّ بي ضحكَ مُستنكرًا: وهل في حياتِنا مجالٌ للحزن يا فلانُ؟ أنتَ بالغٌ تجاوز ذلك.

وإذا ذهبتُ إلى آخر: حزينٌ؟! كيفَ؟ ليس للحزنِ شأنٌ بيننا! قُم! لا تدع لحديثٍ سخيفٍ كهذا يأخذ مجرًى إلى عقلِك! قم إلى حياتِك.

أي حياةٍ؟ التي توقّفت لوهلة عند حزنٍ يحتاج إلى الاستماع فقط؟ لربما أنا يمكنني معالجته لكنني أحتاجُ أن أطلق سَراحَه وأشعرُ أنني مهمٌ بسعادتي وحزني.

الحُزنُ عَرض كالمرضِ.

حينما تُصيبُكَ علّةٌ في جسدِك، تشعرُ بالحمَّى، ألمٌ في المفاصلِ، تمرضُ فتقفُ حياتُكَ لوهلةٍ تحتاجُ الاهتمام بذلك المرض، مُعالجته بالأدويةِ وأيضًا مُعالجة نفسك منه.

إن مرضَ الجسدُ تمرضْ النفسُ بمرضِه، تعتلُّ لعلَتِه، ويُشفى المريض – بإذن الله – إذا ما عَلِم أنه مريضٌ وشعرَ بمعنى ذلك واهتمَّ بنفسِه عِلاجًا جسديًا واهتمامًا نفسيًا بعدم تجاهل ذلك بجملة (أنا بخيرٍ).

هكذا الحزنُ عرضٌ، نحتاجُ الاهتمام به لا تجاهله، نحتاج إخراجه لا كتمه وأسره.

نحتاجُ أن نبذل ونأخذ، نعم أنا شابٌّ بالغٌ لكنني أيضًا أحزن وأمرض، وقد يكون الحزن سببُ العلّة والمرض عند البعضِ، مثلي.

ومثاليتي تدل على بؤسي إن فَقه البعضُ، أسترُ بؤسي (المُخجل) وحُزني (المخزي) وراء سُدفةِ الناجحِ اللطيفِ الخلوق.

أنا بالغٌ، لكنني أيضًا حزينٌ، ووحيدٌ، وسأظلُّ كذلك ..."