سارّة ۔۔۔ كيف بدأ مشواركِ مع الكتابة؟


تفرّغتُ لإجابةِ هذا السُّؤالِ، وهو أحبُّ الأسئلةِ إليّ مما فاتَ!

-

بدأَ مِشواري في عام 2016م، وكنتُ قبلها أحاول أن أنغمسَ في شغفٍ يأويني كالرَّسم لكني ضِقتُ به ذرعًا مع مهارتي فيه، والتلوين لكنَّه لا يدومُ معي أيامًا، وحياكةِ الملابس لكنني لا أستطيع عليها صبرًا، فاقترحت صديقتي عليّ أن أقرأ رواية (اغتصاب ولكن تحت سقف واحد) للدكتورة دعاء عبد الرحمن.

فاستحييت من اللفظةِ، لكنّها رغّبت في الروايةِ وأخبرتني أنَّها لا علاقة له بمضمونها.

فقرأتُ (اغتصاب ولكن تحت سقف واحد)، فلما انتهيتُ شعرتُ برعدةِ الشَّغفِ تسري في أنحاءِ دمي، وبدأت الأفكارُ تَخرجُ عن سيطرةِ دِماغي: (كيف انتهت الرواية؟! مستحيل أن تنتهي! أريد المزيد! ماذا لو لم يحدث كذا مع مريم؟ ماذا لو فعل يوسف وكان قصده كذا) فبحثت عن روايات دعاء عبد الرحمن وقرأتهنّ كلهنّ تقريبًا، (مع وقف التنفيذ)، (وقالت لي)، ولمنى سلامة (اكتشفت زوجي في الأتوبيس)، ورواية الحسناء وما إلى ذلك.

لكنني لم أكتفِ، شعرتُ بوخزةِ الإبداعِ تُنازعني نفسي، الأفكار غاضبةٌ تريدُ أن تخرجَ من سجنِها، فكانت أُولى ما خططتُ قصةَ "أميرة" وهذه أبسط قصصي وأركِّها.

فكتبتُ كثيرًا، عن اليمين وعن الشمالِ، لكنني شعرتُ أن اللهجة العاميّة لا تكفيني، أريدُ أن أرقى للعربيّة، فكان لقائي المميز برواية خولة حمدي (أن تبقى)، وحتى الآن أثرها في قلبي لا أنساه وأحبه.

ثم تبعتها (إيكادولي) رفيقة الثانويّة الأزهريّة، وكذلك (ألف عام من الركض) لدنيا سنونو.

وبين كل كتابٍ وآخر صِرتُ أنقِّح ألفاظي وأنقدها بنفسي، وأستهجنُ المعاني وأستحسنها، حتى ضِقتُ بالكُتبِ المعاصرة ذرعًا، فصِرتُ إلى أحلى مراحل قراءتي: الأدب العربيّ الأصيل!

بدأت رحلتي مع الأديب العظيم رحمه الله مصطفى لطفي المنفلوطيّ، وقد كنتُ استحسنتُ مقاله (الحرية) حين أخذناه في الصف الرابع الابتدائي كدرس قراءةٍ مقرَّرٍ، فاستحسنت وألفتُ مشاعره بين سطورِه التي وصلتني وأنا في العاشرة من عمري.

فكان الاتصالُ بيننا قديمًا، فلما قرأتُ له العَبرات، توطد ما كان واتصلَ ما هو كائنٌ، فلا أفرغ من كتابٍ له إلا وقد احترمته واستحسنت كتبه ولا أضيق منه ذرعًا ولا أجد أعذبُ من ألفاظِه في الأدبِ.

وبعد رحلتي مع كتب المنفلوطي (العبرات، النظرات بأجزائها الثلاث، الفضيلة، ماجدولين، الشاعر) ارتقيتُ بألفاظي إلى مَرتبةٍ غير الأولى، وصِرتُ إلى النَّقدِ أوعى وأدرك، وأصبحتُ أفرق بين سفيه المعاني وحكيمها، ولا أستلذ بقراءة أي نص، وأرى الإملاء بين السطورِ دون البحث عنها، بل أرغب عن النص إن وقع من النص (عمدًا) ألف وصلٍ أو همزة قطع أو أُبدلت الواو عن الياء والعكس بالعكس.

وما زلت منذ أن بدأت كتابة الأدب إلى الآن لا أرى لي سبيلًا في كتابة الرواياتِ، إلا بعد التعلم والتأني كما كان سلفنا من الأدباءِ.

فكانت بدايتي مع الكِتابةِ تسبقها خُطوةٌ كبيرةٌ ورِحلةٌ لطيفةٌ مع الكُتُبِ وقِراءتِها.