عَلمتُ أن الدُّنيا عَناءٌ من أولِها إلى آخرِها، فسألتُ مَن حَولِي: كيف تسعدون في هذه الدُّنيا؟
فجاءَت الإجاباتُ على غَيرِ ما رُمتُ وأردتُ؛ فمنهم من قالَ: لا سَعادةَ ها هنا أبدًا، المَرءُ يتمنَّى أن يموتَ الآنَ قبل الدقيقةِ الآتيةِ.
ومنهم من قالَ: ماذا نَفعلُ؟ هكذا عاشَ أجدادُنا، وهكذَا نعيشُ نحنُ، الواقعُ ليس كما المسلسلاتِ وأفلامِ الرسومِ المتحرّكةِ، الوَاقعُ أمرُّ وأدهَى، ومنهم من بدأ واختتمَ قولُه بـ "لبيكَ إن العيشَ عيشُ الآخرةِ."

أنصتُ لهم وأنا ابنةُ العِشرين، لكنَّ قَلبي لم يعتقدْ بأيِّهن، أبصرَ عقلِي شيئًا لا يراهُ النّاس، بل لا يؤمنون به فلا يرونَه، أشارَ قَلبِي إلى مَشاهدَ مُتتاليةٍ يعرضُها عليّ لأشاهدَها:
الشايُ يُرتشفُ على مَهلٍ وفي تأنٍّ، ينظرُ المَرءُ إلى مرآتِه فيبتسمُ لنفسِه ويُلقي عبارةً تحفيزيَّة، مُعانقةُ الأحبّة ومِزاحهم على حينٍ غرّةٍ منهم ومن أحزانِهم، اللَّعب مع الأطفال، ممارسةِ ما تَميلُ إليهِ النَّفس وتَشغفُ، المرأةُ تنظرُ إلى جَسدِها ووجهها بِرضًى وأريحيةٍ، سلامٌ نفسيّ تبعثُه الرَّوحُ إلى الجَوارحِ رُغم الآلام، رُغم الجُروحِ والكُرباتِ، الخُشوعُ في الصّلاةِ، مُناجاةُ الخَالقِ المَالكِ بخلوةٍ ليليّةٍ بعيدًا عن ضَوضاءِ النّاس ووجودِهم، وَجه الأمِّ، بَسمةُ الأبِّ، حنانُ الأطفالِ ولُطفُهم، قلبٌ نقيّ، عَقلٌ رَشيدٌ حكيمٌ، وعُزلةٌ مع كتبِ الأدبِ أو ما تَشغفُ إليه النَّفسُ وتستريحُ.

ابتسمتُ وارتحتُ للمشاهدِ، فعدتُ ببصرِي إلى قلبِي فوجدتُ عينيهِ تلمعانِ والحَماسةَ تغمرُه، فأقولُ: هذا جميلٌ جدًا يا قَلبُ، ثم أرمي ناظريّ إلى عَقلي فيعرِفُ ما أريدُ.
عَقلي: لا، هذه ليست أشياءَ وهميّة لو حففناها ببعضِ الوَاقعِ وجرّبناها فنكتسبُ خِبرةَ الوَاقع بامتزاجِه بما نؤمنُ به، المهمُّ أن تؤمني، الإيمانُ هو ما سَيجعلُ هذا واقعًا، ناهيكِ عن أنَّ قلبَكِ عاطفيٌّ ومتهوِّرٌ أحيانًا، لكن أهمَّ ما يفعلُهُ الإيمانُ وترسيخُه بالاعتقادِ، وبعونِ الله يمكنني أن أحققَ ما يريدُه؛ لكن أنتِ صاحبتُنا، عليكِ أن توافقي على إيمانه وتصدّقيه، وأن لا تَخافي وتتوكلي على خالقِنا وتتركي لي مِساحةً أعملُ فيها بالتجربةِ ومزج ما نؤمن به بالواقعِ، فنحصل على حياةٍ سعيدةٍ تخصُّنا، نستمتعُ فيها باللحظةِ الحُلوة كأنَّها السنونَ، ونهوِّنُ اللحظاتِ الحَزينةَ ونصبرُ ونُرابِط ونأملُ باللهِ، ونرضَى بها حياةً، لأنَّنا نُؤمنُ.

دومًا كنتُ ثلاثةً، ما كنتُ وَحدِي، أنظرُ إليهما، نَضجَا وأينعَا، ويُريدانِ أن يتركا أثرهما، وينازعان مخاوفي وشكوكي، ابتسم مُتنهِّدةً: حسنًا، افعلا ما تُريدانِ.